سقوط الأقنعة.. الصدق المفقود في سياسة القوى الاستكبارية

سقوط الأقنعة.. الصدق المفقود في سياسة القوى الاستكبارية

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}

 

نزلت هذه الآية حين كان المسلمون -بعد هِجرتهم إلى المدينة- يبيتون ويصبحون في سلاحِهم، فصدقهم اللهُ وعدَه حين صدقوا في إيمانهم، وآلت خلافةُ الأرض إليهم.

 

فالإسلام دين الفطرة، ولكن المسلمين في الأغلب الأعم قعدوا عن تبيين مزاياه وفضائله أمام العالم المتمدن، وإظهار ما جاء به من الصدق، وبيان حقيقة ما قدّمه القرآن من علاج لأزمات الإنسانية، وإيضاح كُـلّ ما فيه سعادة الإنسان؛ فقد جاء الإسلام بإعلان توحيد الله، ووحدة الإنسانية، وأن الدين عند الله واحد، والاختلاف مع اليهود والنصارى إنما هو؛ بسَببِ البغي والعدوان من أهل الكتاب، فجاء محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- يدعو الناس كافة إلى الدخول في دين الله، دين الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّـهِ الْإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّـهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ}.

 

وجاءت المسيرة القرآنية لتجدد السير على المنهج الصحيح، وتدعو إلى تحرير المسجد الأقصى الشريف.

 

فالقرآن جاء ليدعو الناس إلى الدين الحق، فشريعة القرآن توافق ما اقتضاه التطور العقلي للإنسان، وهي الشريعة التي تصلح لكل زمان ومكان، فهي الشريعة التي تُقبل عند الله لا غيرها: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}.

 

فالخلوص والتعري من الآفات الظاهرة والباطنة لا يتمان دون الصدق في توحيد الله، وإخلاص الضمير له.

 

وحينما تفرّق زعماءُ المسلمين وساستهم أشتاتًا، واتخذ البعض منهم من دون الله أولياء من اليهود والنصارى؛ ظنوا بأن ما تحت أيديهم من مال وسلطان جاء؛ بسَببِهم، وكأنهم لم يتدبروا في القرآن قول الرحمن: {وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}.

 

هؤلاء الأولياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا مهما ملكوا من تكنولوجيا وطائرات وصواريخ وغير ذلك مما ظنوه مثمرًا لهم، فإنه لا يجديهم نفعًا؛ ففي الذكر الحكيم: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّـهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}.

 

فأعمالُ الكفرة عما قريب ستُمحى كما أخبر بذلك من جاء بالصدق وصدق به: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ}.

 

ومع ذلك، فإن المتأمل في تاريخ الحضارات يجد أن القوة العسكرية أَو الوفرة المالية لم تكن وحدها ركيزة أَسَاسية لبناء الحضارة الإنسانية واستقامة الحياة.

 

لو كان لدى هؤلاء المستكبرين شيءٌ من الإيمان بالله لأدركوا ذلك، وإنما أمدهم الله بقوة ومال وبنين ليس ليسارع لهم في الخيرات وإنما ابتلاء وفتنة: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ}.

 

فالصدق مع الله، والصدق مع الناس هو الركيزةُ الأَسَاس التي يقوم عليها مجتمع يتحلى بالفضائل، الذي يُبنى عليها المجتمع الفاضل.

 

فالصدق عنوانٌ لرقي الأمم، وفيه السلامة من الهلكة والعذاب؛ فهو الوقود الذي يحرك عجلة التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو عماد الإدارة والسياسة العامة.

 

ولهذا جاء القرآن الكريم ليخاطب المؤمنين بقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.