لكل شهيد حكاية تحمل تفاصيل من حياته، ومواقف تكشف عن الإنسان الذي كان قبل أن يصبح اسماً في سجل الشهداء، وفي حكاية الشهيد جمال الحمداني، المعروف بـ «أبو فراس»، تتداخل مشاهد التهجير والبعد عن الأهل مع سنوات المرابطة ومواقف الصمود والعطاء، فهي حكاية رجل غادر منزله في محافظة تعز قسراً، وعاش فترات طويلة بعيداً عن أسرته، لكنه ظل يحمل هموم رفاقه والمواطنين من حوله، ويجد في العمل وخدمة الآخرين ما يمنحه القوة لمواصلة الطريق.
كان جمال من أبناء مديرية المظفر بمحافظة تعز، وعندما دخلت حشود المرتزقة إلى المدينة، وتعرض أبناؤها وأحرارها للتهجير، كان واحداً ممن اضطروا إلى مغادرة ديارهم، ولهذا لم يكن الرحيل سهلاً، ولم يكن الابتعاد عن المنزل والأهل أمراً هيناً، لكنه لم يترك في نفسه أثراً يثنيه عن مواصلة ما يؤمن به.
يتذكر رفيقه أبو ثابت النشوري تلك المرحلة، ويقول إن جمال خرج من منزله قسراً، حاملاً روحه الجهادية التي لم تنل منها التهديدات ولا التهجير، وإن ما تعرض له زاده صموداً وثباتاً.
انتقل جمال إلى ميادين المواجهة، وأصبح مشرف قسم الهندسة بمحور الفازة في محافظة الحديدة، وهناك عاش مع رفاقه أياماً قاسية، لم تكن تترك لهم وقتاً كافياً للراحة، و كانت المواجهات تستمر ليلاً ونهاراً، حتى في أيام العيد، وكان الزحف يتواصل من يوم العيد إلى رابع أيامه، ويتذكر أبو ثابت النشوري كيف كان المقاتلون يتناوبون على المتارس، فيبقى أحدهم لمواجهة الزحف، بينما يستريح الآخر لبعض الوقت، ثم يتبادلان المواقع، حتى يواصلوا الصمود ولا يتمكن العدو من اختراق مواقعهم.
في تلك الأيام، كان جمال واحداً من الذين يواصلون العمل وسط ظروف لا تعرف الهدوء، وكان حضوره بارزاً في معارك الساحل الغربي، ومن بينها معركة «تقطيع الأوصال»، التي شارك في تنفيذها إلى جانب مجموعة من رفاقه، من بينهم الشهيد أبو شهيد الجرادي، ويستعيد أبو ثابت النشوري مشاركته في تلك المعركة، موضحاً أنه كان ضمن الرافدين والمرافقين والمجاهدين الذين أسهموا في تنفيذها.
ومن بين المواقف التي بقيت حاضرة في ذاكرة رفاقه، تقدمه إلى مواقع قريبة من العدو لتنفيذ مهامه الهندسية. ويروي مرتضى الشامي أنه كان بجوار جمال في إحدى المرات، حين اقترب من موقع العدو حتى لم تعد المسافة بينهما تتجاوز عشرة أمتار، ثم زرع عبوة ناسفة متشظية باتجاهه، و كان مرتضى يراقب الموقف مستغرباً من شجاعة رفيقه وهدوئه في مكان شديد الخطورة، بينما كان جمال يتعامل مع مهمته بتركيز، دون أن يظهر عليه القلق، مع اهتمامه الدائم بالتحصينات ومتطلبات العمل في الجبهة.
لم يكن جمال يحتفظ بخبرته لنفسه، فقد كان يحرص على تعليم رفاقه ومساعدتهم على فهم ما يعرفه من أعمال الهندسة والميدان، ويقول أبو حمزة إنه كان يستثمر وقته في العمل، ويتنقل بين المهام، يساعد هذا ويعاون ذاك، ويتابع ما يجري في مختلف مواقع الجبهة، فلم يكن يحب إضاعة الوقت أو التكاسل، وكان يحرص على أن يكون حاضراً حيثما احتاج إليه رفاقه، حتى إن معظم أوقاته كانت تمضي بين عمل وآخر.
ويتذكر أبو حمزة عزيمة جمال في مواصلة العمل ليلاً ونهاراً، وحرصه على متابعة ما يجري في المتارس ومواقع المواجهة، كما يستعيد أيام عيد الفطر، حين استمر الزحف خلال ثاني أيام العيد وثالثه، قبل أن يعجز المهاجمون عن مواصلة التقدم ويغادرون المنطقة، تاركين وراءهم آليات ومعدات عسكرية، وعندما دخل المقاتلون إلى تلك المواقع، وجدوا أسلحة وذخائر وأجهزة، في مشهد ظل جزءاً من ذكريات تلك المواجهات التي عاشها جمال ورفاقه.
لكن من عاشوا إلى جوار أبي فراس لا يتذكرونه من خلال مواقفه في الجبهة وحدها؛ فهم يتحدثون أيضاً عن رجل كان يحرص على أن يجد لنفسه وقتاً يتزود فيه بالمعرفة، ويصغي إلى المحاضرات، ويتأمل ما تحمله من هدى وتوجيهات، فكان يستمع ثم يحاول أن يجعل ما سمعه حاضراً في سلوكه وعمله، حتى أصبح هذا الاهتمام جزءاً من حياته اليومية.
ويروي أبو حمزة أن جمال كان يحرص على الاستماع إلى المحاضرات واستيعاب هدى الله، وأنهم كانوا يجتمعون للاستماع إليها قبل الانطلاق إلى أي عملية أو مهمة، ثم يعودون إلى أعمالهم، أما أبو جهاد، فيتذكر اهتمام الشهيد بالبحث عن هدى الله، وحرصه على التزود به، وثقته بالله والتزامه بتوجيهات القيادة وتنفيذها، إلى جانب عنايته بتعامله مع المجتمع.
وفي ذاكرة أبي جهاد موقف يكشف جانباً خفياً من إنسانية جمال، بعيداً عن أعين رفاقه، فقد كان يأتي في بعض الليالي، ويجمع ما يتوافر لديهم من أنواع الغذاء، ثم يحملها إلى المواطنين الذين يسكنون بالقرب من المواقع التي يتمركز فيها، فكان يفعل ذلك دون أن يعرف أحد من رفاقه، ويتعمد إخفاء ما يقدمه، حتى لا ينسب إليه أحد هذا العمل، رغبة منه في أن يكون عطاؤه خالصاً لله، بعيداً عن الرياء أو الغرور.
لم يكن جمال يفكر في احتياجاته وحده؛ فبينما كان رفاقه يهتمون بتوفير الغذاء والاحتياجات الجسدية، كان يذكرهم بما تحتاج إليه أرواحهم أيضاً، ويتذكر أبو ثابت النشوري موقفاً كان الشهيد يؤكد فيه أن الغذاء الروحي ضروري قبل الغذاء الجسدي، وأن على الإنسان أن يحرص على أن يشبع قلبه وروحه بهدى الله، مثلما يحرص على إشباع جسده.
وفي لحظات الخطر، كان جمال يجد ملاذه في الدعاء واللجوء إلى الله.
ويروي مرتضى الشامي أنه سمع منه عن موقف حوصر فيه مع مجموعة من رفاقه، حتى لم يعد أمامهم مجال للتقدم أو التراجع، وكان العدو قريباً منهم، وفي تلك اللحظة، لم يجد جمال ما يفعله سوى أن يسجد بين يدي الله، ويتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة من أعماق قلبه، وبعد ذلك تمكنوا من مواصلة العمل وإنجاز مهمتهم والعودة.
وكان في جمال جانب آخر ربما لا يعرفه كثيرون ممن عرفوه في الجبهة؛ فقد أحب الشعر، وكانت لديه رغبة في نظم القصائد، ويحاول أن يكتب على طريقة فراس الحمداني وغيره من شعراء العرب، ويصفه مرتضى الشامي بأنه كان صاحب اهتمامات متكاملة، يجمع بين العمل العسكري والاهتمام بالمجتمع والثقافة، وكان محباً للتعلم والمعرفة.
وعلى امتداد تلك السنوات، كانت هناك قلوب تنتظر عودته، فخلف غيابه الطويل عن الجبهات، كانت أسرته تعيش معاناة البعد والاشتياق، وكان والده وأقاربه ينتظرون فرصة للقائه، فلم يكن جمال يستطيع البقاء إلى جوارهم، ولم تكن لقاءاته بهم متاحة إلا عندما يتمكن من الوصول إلى مناطق خارج المناطق التي تسيطر عليها القوات المعادية، فيلتقيهم لبعض الوقت، ثم يعود إلى مواقع المرابطة.
كانت الشهور تمر أحياناً دون أن تراه أسرته، وقد تمتد فترة غيابه إلى عام كامل، ثم يعود في زيارة قصيرة لا تتجاوز ليلة واحدة، قبل أن يغادر مجدداً، وقد عانى والده وأقاربه من هذا الغياب، وعانى جمال أيضاً من فراقهم، ومن أن تمر الأيام بعيداً عن منزله وأهله، ومع ذلك، لم يكن هذا البعد يضعف عزيمته، وفق ما يرويه رفاقه، فقد ظل متمسكاً بإيمانه وثقته بالله، محافظاً على معنوياته رغم طول الغياب وقسوة الظروف.
وهكذا يستعيد رفاق جمال الحمداني حكاية صاحبهم؛ يتذكرونه في المتارس، وبين المهام الهندسية، وفي لحظات الاستماع إلى محاضرات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله- كما يتذكرون يديه وهما تحملان الغذاء إلى مواطنين لم يكن يريد أن يعرفوا من الذي أعانهم، ويتذكرون حرصه على تعليمهم ومساعدتهم، واشتياقه إلى أسرة لم يكن يستطيع البقاء معها إلا قليلاً.
تفاصيل كثيرة تكشف جوانب من حياة إنسان عاش بعيداً عن أهله، وحمل معه هموم رفاقه والمجتمع، وظل يعمل ويعطي رغم ما واجهه من مشقة وحرمان.
وتبقى هذه المواقف حاضرة في ذاكرة من رافقوه، وهم يروون اليوم حكاية أبي فراس، الإنسان الذي عرفوه وعاشوا معه سنوات من العمل والمرابطة.










