ظلت خطط "رؤية 2030" في عقلية الطموح السعودي أرقاماً لامعة ترتبط بها أماني كبيرة لتحقيق أي نجاح بعيدا عن الاعتماد على بيع النفط، وحلمًا عريضًا شُيد بالزجاج الشفاف والمكعبات الضوئية على امتداد شواطئ السعودية ورمالها. إلا أن عام 2026 لم يبتسم لهذه الخرائط الوردية، جاء برياح معاكسة، ولم يمنحها الأمان المنشود بسبب نزعة الاستحواذ والتملك التي تسيطر على النظام السعودي تجاه اليمن؛ إذ اختار هذا العام أن يكون عام الفصل، والامتحان الأقسى، والمنعطف المفصلي الذي يقيس مدى قدرة الأحلام الكبرى على الصمود أمام عاصفة العمليات اليمنية الدفاعية. تبلور هذا المنعطف الخطير حين وطأت الرياض عتبة مأزقٍ حاد وغائر، عقب مغامرتها بحملة تصعيد عسكري غير محسوبة تجاه الساحة اليمنية؛ بدأت فصولها بكل استعلاء حين قامت بقصف مطار صنعاء الدولي تعمداً لمنع اليمنيين من الهبوط. بعدها، جرت الأحداث بما لم تحسب له الحسابات؛ إذ أعلن اليمن معادلة التحرر الكبرى، وجاءت تداعياتها قاصمة لظهر طموحات السعودية الاقتصادية، لتتحول مقولات التنمية العريضة إلى مادة للتأمل في سراب.
ولم تولد هذه الأزمة المفاجئة من فراغ أو نتيجة تذبذب في أسواق الطاقة العالمية، بل كانت نتاجاً حتمياً لصدام استراتيجي قاسٍ ومستمر، تجسد في العمليات العسكرية اليمنية الشاملة بمنظومتها الردعية البالغة التأثير، إذ تجاوزت هذه العمليات حدود "الحصار البحري"، لتخترق العمق الحيوي والاستراتيجي للسعودية بشكل غير مسبوق، وتفرز -تباعاً- مظاهر العجز المالي المطبق، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، والانكماش الهائل في حجم المشاريع العملاقة.
جفاف الاستثمار وشلل التخطيط
وفق هذا المعطى الميداني الصارم، فرضت الجبهة اليمنية -بقوتها العسكرية والاستراتيجية- واقعاً أمنياً قاهراً ومحكماً، جعل استمرار الخطط الكبرى ضرباً من المستحيل، وحولت الفائض المالي المأمول إلى استنزاف يومي مستمر لمواجهة أثمان التصعيد المفتوح. وبعد سنوات طويلة من ضخ مئات المليارات من البترودولار على تشييد "مدن ذكية ومكعبات معمارية" تفترش السواحل والداخل، فرضت العمليات اليمنية إيقاعاً صارماً وحازماً، أدى إلى عجز مالي متفاقم رصدته بدقة التقارير الدولية في تناولات متواترة، حيث كشفت وكالة "رويترز" في تقرير تحليلي معمق عن اتساع فجوة العجز في الميزانية السعودية، واضطرار الرياض مرغمةً إلى تجميد وتأجيل الحُزم المالية الضخمة المخصصة للمشروعات طويلة المدى، خصيصاً لتوفير السيولة الضرورية لمواجهة التكاليف الباهظة للوضع الأمني والاستحقاقات العسكرية الطارئة التي فرضتها الجبهة اليمنية بقوة الحديد والنار.
وفي ذات السياق، أكد موقع "ميدل إيست آي"، أن الرؤية الاقتصادية أصبحت في مواجهة مباشرة ومحتومة مع مخاوف الكلفة التشغيلية المرتفعة، بعد أن أدت الهجمات الصاروخية والمسيرة والعمليات اليمنية المتلاحقة إلى شلل شبه تام في خطط الاستثمار السياحي واللوجستي، ما أجبر الرياض على إعادة ترتيب أولوياتها قسراً لتفادي تآكل الاحتياطيات النقدية تحت وطأة الاستنزاف المستمر.
إعادة ضبط سقف التوقعات
عطلت تداعيات العمليات اليمنية المشاريع الساحلية، وامتدت لتضرب في العمق فرضية "الاستقرار الداخلي والأمني" التي بُنيت عليها أساساً فلسفة التنويع الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال. فاتساع نطاق هذه العمليات وقدرتها الفائقة على إصابة العمق والخاصرة الحيوية أحدث هزات عنيفة ومرعبة في ثقة الأسواق العالمية الاستثمارية.
تشير وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) إلى أن المشروعات الكبرى والمخططات العمرانية العملاقة باتت تخضع لعمليات تقليص حاد وإعادة هيكلة شاملة ومؤلمة لتتلاءم مع معطيات التهديد العسكري المستمر، وذلك بعد أن تبخرت كلياً آمال تحويل البلاد إلى واحة استثمارية آمنة معزولة عن معادلات الإقليم الملتهب. من جانبها، نقلت وكالة "سبوتنيك" الروسية عن خبراء استراتيجيين كبار، أن السعودية تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة تشكيل أولوياتها، وتوجيه موارد صندوق الاستثمارات العامة للتعامل مع ضغوط الدين والاستدانة العالية المرتبطة بمتطلبات الاحتواء الأمني، بدلاً من التوسع في المشاريع التي أفرزتها خطط الرؤية البراقة.
وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء على الصعوبات الهيكلية البالغة التي يواجهها التنفيذ الميداني للمشاريع الكبرى، مشيرة إلى أن اصطدام خطط التنمية الطموحة بالعمليات العسكرية المستمرة في جبهة واسعة ومتعددة الأبعاد جعل من "إعادة ضبط سقف التوقعات" الخيار الإجباري الأوحد لتجنب صدمة مالية واقتصادية كارثية غير محسوبة النتائج.
اتساع الفجوة بين الإيرادات والالتزامات
تبرز الأهمية القصوى لاستحقاق عام 2026 كعنق زجاجة ضيق لا يمكن الالتفاف عليه الى التحول المنشود، ليس فقط بسبب تراكم الديون الثقيلة، وإنما أيضاً لكونه العام الذي تزامنت فيه مواقيت المُهَل الزمنية للمشروعات الكبرى مع تجذر المعادلة العسكرية اليمنية الشاملة. فقد كانت الخطة التشغيلية تسير بيسر على فرضية استمرار التدفقات الرأسمالية بلا عوائق، إلا أن الضغط العسكري اليمني المستمر أحدث ارتباكاً عميقاً لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فالكلفة الجنونية للتأمين، وحماية المنشآت الحساسة، وتغير مسارات التجارة العالمية، وجهت ضربة قاصمة لعائدات المرافئ والمشروعات اللوجستية الضخمة. وفي تقرير موسع لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أشارت إلى أن الشركات الأجنبية والموردين بدأوا بالفعل في مواجهة تباطؤ واضح في تحصيل المستحقات، ومراجعة حادة وجذريّة للعقود المبرمة، متأثرين بحالة عدم اليقين الأمني والسياسي التي فرضتها المواجهة المفتوحة مع اليمن، ما يلقي بظلاله القاتمة والثقيلة على قدرة الرياض على الوفاء بالجداول الزمنية المعلنة مسبقاً.
ويتزايد هذا القلق الاقتصادي العميق عند فحص استجابة القطاعات المصرفية وسوق رأس المال للواقع الجديد؛ حيث كشفت مجلة "ذا إيكونوميست" أن المملكة بدأت تعتمد -بشكل متزايد ومقلق- على السندات السيادية، والاقتراض المحلي من البنوك التجارية لتغطية الفجوة المتسعة بين الإيرادات النفطية والالتزامات الرأسمالية الضخمة التي تفاقمت بسبب كلفة التوتر الأمني الواسع. هذا الاعتماد يشكل بحد ذاته استنزافاً تدريجياً وخطيراً للسيولة المتاحة للقطاع الخاص المحلي.
ورافق ذلك تقييم نقدي دقيق أوردته صحيفة "التلغراف" البريطانية، أوضحت فيه أن المهل الزمنية المعلنة لمشروعات عملاقة مثل "نيوم" و"ذا لاين" بدأت تنزلق بشكل متصاعد نحو تأجيلات مفتوحة ومبهمة، بعد أن فرضت العمليات اليمنية واقعاً أمنياً يعزف فيه المستثمر الدولي كلياً عن ضخ رؤوس الأموال في مناطق نزاع محتملة.
محاولات إنقاذ مشاريع "الرؤية"
يقف هذا التعثر الميداني عند ثلاثية معقدة من المخاطر الهيكلية التي أفرزتها في المقام الأول البيئة الجيوسياسية الملتهبة بفعل هجمات القوات المسلحة اليمنية. أولى هذه المخاطر تتمثل بوضوح في فجوة الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فبالرغم من كل التسهيلات التشريعية والمغريات، ظلت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية أقل بكثير من المستهدفات المعلنة، لأن رأس المال العالمي يهرب بطبيعته الجبانة من المناطق المهددة عسكرياً واستراتيجياً.
وفي هذا السياق، أوضحت صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير استثماري متميز أن المستثمرين الغربيين يتعاملون مع مشاريع المملكة بحذر شديد وبالغ الريبة، حيث يفضلون جني رسوم الخدمات والاستشارات السريعة على ضخ أصول مالية طويلة الأجل في بيئة تفرض فيها العمليات اليمنية مخاطر عالية على البنية التحتية. أما المطرقة الثانية فهي استمرار الارتباط العضوي بأسعار الطاقة وعائدات التصدير لتغطية النفقات الأمنية والمالية المتزايدة لمواجهة التداعيات العسكرية، وهو ما أبرزته وكالة "بلومبرغ" مؤكدة أن اضطرابات الخطوط والإنتاج -بفعل العمليات العسكرية- أثرت بشكل مباشر على قدرة الحكومة على توفير السيولة اللازمة للإنفاق التنموي. بينما يتمثل المنحى الثالث في التكلفة المالية الباهظة لإصدارات الدين الخارجية وارتفاع معدلات الفائدة العالمية نتيجة لعدم الاستقرار الإقليمي الناجم عن جبهة اليمن المشتعلة.
لقد امتدت مراجعة حركة رؤوس الأموال لتشمل الموقف من المؤسسات النقدية العالمية؛ إذ أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" أن كبار مديري صناديق التحوط في الولايات المتحدة وأوروبا يطالبون -بإلحاح- بضمانات سيادية غير مسبوقة للقبول بالتمويل المباشر لإنشاءات الرؤية، نظراً للتهديدات العسكرية والاستراتيجية المباشرة التي تفرضها العمليات اليمنية على الاقتصاد السعودي، ما يرفع تكلفة خدمة الدين، ويزيد العبء الفادح على الميزانية العامة.
رغبة غربية في استنزاف السعودية
في خضم هذه التحديات المالية الضخمة والمتغيرات الجيوسياسية الكبرى التي صنعتها الجبهة اليمنية بإتقان، تبدو السعودية وحيدة في تحمل فاتورة هذه الأزمات الكبرى، بينما يقف حلفاؤها الاستراتيجيون الغربيون في موقع المراقب والمستفيد فقط. وتُظهر الوقائع الحالية والقراءات التحليلية أن الشركات الغربية ومؤسسات الاستشارات الأمريكية تعاملت مع رؤية التحول بوصفها فرصة تجارية ربحية بحتة تضمن تدفق المليارات من خلال عقود التصاميم والإدارة دون أن تتطوع بتحمل أي أخطار استثمارية حقيقية في بيئة غير آمنة.
ومن جانبها، سلطت مجلة "فورين بوليسي" الضوء على هذه الفجوة الاستراتيجية العميقة، مؤكدة أن واشنطن والحلفاء الغربيين لا يرون في التعثر المالي للمشاريع السعودية أزمة تستدعي تدخلاً عسكرياً أو سياسياً لحمايتها، بل يعتبرون الخطة ملفاً تنموياً داخلياً يخضع لقواعد السوق والمخاطر العسكرية البحتة التي صنعتها الجبهة اليمنية.
وترى مجلة "فورين أفيرز" في دراسة تحليلية رصينة أن واشنطن والعواصم الأوروبية تفضل بقاء الموارد المالية السعودية في حالة استنزاف مستمر للوفاء بالتزامات التحديث، ومواجهة تداعيات التصعيد العسكري اليمني، لأن ذلك يمنع الرياض من استخدام فائضها المالي لبناء تحالفات استراتيجية مستقلة أو المنافسة بندّيةٍ في الأسواق التقنية العالمية، ما يحفظ للهيمنة الغربية مكاسبها دون الاستثمار المباشر في المفهوم التنموي السعودي المهدد ميدانياً.
فيما تؤكد منصة "ناشيونال إنترست" أن الحلفاء الغربيين يركزون بشكل أساسي على بيع المعدات الأمنية والدفاعية للمملكة بأسعار باهظة وخيالية، بدلاً من التحرك الفعلي الجاد لإنهاء التهديدات العسكرية التي أجهضت الجدوى الاقتصادية للرؤية. وبينما كانت الرؤية تفترض بيئة إقليمية مستقرة تماماً تقوم على خطوط التجارة والسياحة والربط اللوجستي الآمن، أظهرت وتيرة الأشهر الأخيرة أن هذا الاستقرار كان وهماً هشاً سحقته العمليات اليمنية الشاملة.
إن استمرار اضطراب الملاحة السعودية أدى إلى ضرب مشروعات السياحة الشاطئية واللوجستية في مقتل؛ إذ تؤكد مجلة "لويدز ليست" المتخصصة في الشؤون البحرية، أن ارتفاع كلفة التأمين البحري وتغير خطوط الشحن العالمية -بفعل العمليات اليمنية- ألقى بظلال قاتمة وثقيلة على الجدوى الاقتصادية للمرافئ والمشروعات الممتدة على الساحل الغربي للمملكة، محولة إياها من بوابات لامعة للمستقبل إلى نقاط تماس عالية المخاطر.




