في مشهد مهيب يعكس عمق الوعي الشعبي ورسوخ الهوية الإيمانية، ويثبت أن الإرادة اليمنية لا تلين ولا تنكسر، خرج الشعب اليمني ، أمس الجمعة، في حشود مليونية في العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات ليحيي الذكرى الحادية عشرة لليوم الوطني للصمود، ويجدد العهد والثبات على درب الجهاد والمقاومة، في رسالة مدوية للعالم أجمع مفادها أن اليمن الذي صمد أحد عشر عاماً في وجه أعتى عدوان في التاريخ، ما زال حاضراً بقوة في معركة الأمة المصيرية.
ففي ليلة السادس والعشرين من مارس عام 2015، حين أعلن السفير السعودي من واشنطن باللغة الإنجليزية بدء "عاصفة الحزم"، كان الأعداء يظنون أنهم سيطوون صفحة اليمن إلى الأبد، وأنهم قادرون على كسر إرادة هذا الشعب وإخضاعه وإرغامه على التخلي عن قضيته المركزية فلسطين، وعن هويته الإيمانية، وعن حقه في الحرية والاستقلال، لكن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون تلك الليلة التي أرادوها ليلة غدر وهزيمة، محطة تحول كبرى، فتحولت إلى يوم وطني للصمود، وإلى أيقونة مشرقة في تاريخ اليمن والأمة، تروي حكاية شعب لم يركع للطغيان، ولم يخن عهده مع الله ومع قضيته.
بعد أحد عشر عاماً من العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي وحصارهم الخانق يواصل الشعب اليمني مسيرته التحررية، وقد جعل من ليلة الغدر يوماً للحذر واليقظة والاستعداد، ومن صموده الأسطوري قصة تلهم أحرار العالم، إنه شعب استطاع بفضل الله ثم بتمسكه بهويته الإيمانية وقيادته القرآنية، أن يحول سنوات المعاناة إلى قوة عظيمة، وأن يحول العدوان الذي كان يهدف إلى إخضاعه إلى فرصة لبناء قدراته العسكرية والتنموية، ليصبح اليوم قوة إقليمية مؤثرة، حاضراً في كل الميدان، وممسكاً بزمام المبادرة في معركة الأمة ضد المشروع الصهيوني الأمريكي.
وفي هذا السياق، حملت المسيرات المليونية التي عمت العاصمة صنعاء وسائر المحافظات اليمنية، تحت شعار: "ثابتون مع فلسطين ولبنان وإيران.. وجاهزون لكل الخيارات" . في تأكيد أن اليمن بعد كل هذه السنوات من المعاناة، لم ينسَ قضيته الأولى، ولم يتراجع عن موقفه المبدئي الثابت في نصرة الشعب الفلسطيني، بل خرج اليوم في مسيرات مليونية في مختلف الساحات والميادين ليقول للعالم أن فلسطين هي قضيتنا المركزية، والقدس هي قبلتنا الأولى، ومقاومة الشعب الفلسطيني هي مقاومتنا، والعدوان على غزة هو عدوان علينا.
لكن الشعار حمل هذه المرة أبعاداً أوسع، فهو لم يقتصر على فلسطين فقط، بل امتد ليشمل لبنان وإيران، في رسالة تضامن واضحة وصريحة مع كل جبهات المقاومة في المنطقة، لقد أدرك الشعب اليمني أن ما يجري اليوم في غزة والضاحية الجنوبية في لبنان وفي العمق الإيراني، ليس سوى حلقات متصلة من مؤامرة كبرى تستهدف الأمة بأكملها، وأن المشروع الذي تقوده الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يستهدف كل من يقف في وجه هذا المشروع، كل من يرفض الخنوع والاستسلام.
لقد كان الخروج اليمني المليوني رسالةً واضحة للعالم بأن اليمن ليس مجرد متفرج على ما يجري، بل هو جزء فاعل وحاسم في معركة الأمة المصيرية، فالشعب اليمني الذي صمد أحد عشر عاماً في وجه تحالف دولي بقيادة أمريكا والسعودية والإمارات وبريطانيا، وأفشل كل مخططاتهم، وخرج من رحم المعاناة أقوى وأكثر قدرة، هو اليوم على أتم الاستعداد والجهوزية لخوض أي معركة تقتضيها المرحلة، وتنفيذ أي خيارات يتخذها القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، في إطار نصرة المستضعفين والدفاع عن مقدسات الأمة.
المشهد في العاصمة صنعاء كان مهيباً بكل المقاييس، حيث احتضن ميدان السبعين والميادين المحيطة به حشود مليونية، توافدوا منذ ساعات الصباح الأولى رافعين أعلام اليمن وفلسطين ولبنان وإيران، مرددين هتافات تزلزل أركان الطغيان، كانت صنعاء العاصمة الماطرة بالخيرات والبركات، تحولت في هذا اليوم إلى بحر بشري لا حدود له، يعبر عن روح التحدي والإصرار، ويؤكد أن هذا الشعب الذي لم تنكسر إرادته بالحرب والحصار، لن تنكسر اليوم بالتهديدات والوعيد.
وقد توزعت الحشود في الميدان بشكل منظم، فيما اصطفت الحشود الشعبية والقبلية والعسكرية في لوحة وطنية مهيبة، ورفعت اللافتات التي تحمل صور الشهداء والأسرى، وصور السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وصور الشهيد السيد علي خامنئي قائد الثورة الإسلامية في إيران، وصور الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم وزعماء حركات المقاومة في فلسطين في رسالة واضحة بأن هذه الجبهة الموحدة لا يمكن فصلها أو تفكيكها مهما كانت الضغوط.
الهتافات التي ملأت أرجاء الميدان كانت تعكس روح الجهاد والثبات المتجذر في وجدان الشعب اليمني. فمن "بالله صمدنا ووقفنا.. وبعاصفة الحزم عصفنا" إلى "العدوان علينا أعلن.. من رأس الأفعى واشنطن"، ومن "قل لحكومات إبستين.. لن نترك شعب فلسطين" إلى "الله دعانا لنجاهد.. ما قال نشاهد ونحايد"، ومن "العدوان على إيران.. يخدم مشروع الكيان" إلى "مع إيران وسوف نساهم.. لسنا من يخضع ويساوم"، ومن "موقفنا دين وجهاد.. لا نقبل صمتاً وحياد" إلى "للحرس الثوري سلام.. ولحزب الله المقدام"، كانت الهتافات تتردد وكأنها نشيد وطني جديد، يعبر عن هوية اليمن الحقيقية: هوية الإيمان والحكمة والجهاد.
من العاصمة صنعاء إلى محافظة الحديدة، كانت المسيرات حاشدة بكل المقاييس. ففي الحديدة وحدها، خرجت الحشود في 317 ساحة وميدان، ليجسد أبناء هذه المحافظة الساحلية ارتباطهم العميق بجبهة الإسناد التي يخوضها اليمن في البحر الأحمر، ويؤكدوا أنهم حماة هذا البحر، وأنهم جاهزون لكل الخيارات مهما كانت التضحيات.
وفي صعدة، معقل الصمود اليمني ومنطلق ثورة الـ21 من سبتمبر، خرجت عشرات المسيرات الجماهيرية، مؤكدة أن الشعب الذي تصدى لأعتى عدوان، والذي دفع أثماناً باهظة من الشهداء والجرحى، ما زال صامداً ثابتاً على موقفه، بل أصبح أكثر قوة وأشد بأساً. وقد عبر المشاركون في صعدة عن الجاهزية والاستعداد التام لكل الخيارات التي تعلنها القيادة، وكذا الاستمرار في خط الجهاد والإسناد للشعب الفلسطيني، ومواجهة الإجرام والتصعيد الصهيوني الأمريكي ضد شعوب الأمة.
وفي محافظة حجة، شهدت الساحات مسيرات حاشدة، أكد المشاركون فيها على الموقف الإيماني الثابت والأخلاقي المساند للشعب الفلسطيني المظلوم والتصدي للهجمة الأمريكية الصهيونية ومخططاتها التي تستهدف كل شعوب الأمة. كما أكدوا على حق إيران في الرد المزلزل على العدوان الصهيوني الأمريكي، معلنين الجهوزية لأي تطورات أو خيارات للقيادة الثورية الحكيمة في إطار معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس".
أما في محافظة تعز، التي تعرضت لأعنف أشكال العدوان والاغتيال السياسي والتنكيل بأبنائها، فقد خرجت مسيرات جماهيرية حاشدة، أكد المشاركون فيها أن الشعب اليمني بعد أحد عشر عاماً من العدوان والحصار أكثر قوة وأشد بأساً واستعداداً لمواجهة قوى العدوان والاستكبار، وأصبح يسطر المواقف المشرفة في نصرة قضايا الأمة.
وفي مأرب، التي كانت مسرحاً لانتهاكات واسعة من قبل مرتزقة العدوان، شهدت المحافظة 15 مسيرة حاشدة وعشرات الوقفات، عبر المشاركون فيها عن التضامن مع الشعوب الإسلامية في وجه العدوان الأمريكي الصهيوني، والثبات في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي، مؤكدين أن الشعوب الواثقة بالله لا تهزم مهما كانت إمكانيات الأعداء.
وفي لحج، وبالتحديد في مديرية القبيطة، شهدت ثلاث مسيرات جماهيرية حاشدة، أكد أبناء القبيطة أن يوم الصمود الوطني يأتي والشعب اليمني مستمر في صموده وثباته واستعداده لمواجهة العدوان الذي ما يزال يمارس على اليمن بكل الوسائل، مشيرين إلى أن الشعب اليمني بفضل صموده وقواته المسلحة وحكمة قيادته، استطاع أن يفشل المخططات والمؤامرات العدوانية، ويواجه العدوان الأمريكي الذي اندحر في معركة البحر الأحمر.
وفي محافظة إب، التي شهدت مسيرات حاشدة في ساحة الرسول الأعظم بمركز المحافظة ومختلف الساحات بالمديريات، أكد المشاركون أن هذا الخروج الجماهيري يجسد موقفاً يمانياً ثابتاً لا يتزحزح في نصرة الشعب الفلسطيني، ورفضاً قاطعاً لكل مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية التي تستهدف الأمة ومقدساتها، مشددين على أن نصرة فلسطين ليست خياراً مرحلياً، بل التزام مبدئي وديني وأخلاقي لا يقبل المساومة أو التراجع.
وفي الضالع، شهدت مديريات دمت وقعطبة وجبن مسيرات جماهيرية حاشدة، ندد المشاركون فيها باستمرار جرائم العدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في غزة والأراضي المحتلة وقتل المدنيين وتدمير المنازل ومنع دخول المساعدات الإنسانية، بمشاركة ودعم أمريكي لا محدود، وفي ظل استمرار التخاذل المخزي لأنظمة وشعوب الأمة العربية والإسلامية.
وفي المحويت، شهدت المحافظة 95 مسيرة حاشدة، عبر المشاركون فيها عن ثبات موقفهم الداعم للشعب الفلسطيني في غزة، وإيران ولبنان، في مواجهة الهجمة الصهيونية الأمريكية، مؤكدين الجاهزية لكل الخيارات التي تعلنها القيادة، ومؤيدين ما تضمنه خطاب السيد القائد
وفي ريمة، شهدت المحافظة أكثر من 50 مسيرة جماهيرية، أوضح أبناؤها أن هذه المسيرات تأتي امتداداً لموقف الشعب اليمني الثابت تجاه القضية الفلسطينية ومساندة الأشقاء في إيران ولبنان والمستضعفين من الأمة في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي المجرم.
وفي عمران، احتشد أبناء المحافظة في مسيرات كبرى بأكثر من 130 ساحة، مؤكدين الجهوزية والاستعداد للدفاع عن الوطن ونصرة المستضعفين من أبناء الأمة، والمضي في مسار الجهاد لمواجهة قوى الاستكبار والهيمنة.
اليمن قوة إقليمية
هذا المشهد المليوني المتكامل، الذي جمع كل المحافظات اليمنية تحت راية واحدة، وشعار واحد، وموقف واحد، هو في جوهره رسالة متعددة الأبعاد، إنه رسالة إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بأن اليمن أصبح قوة إقليمية مؤثرة، تمتلك من القدرات العسكرية والاستخباراتية والإرادة السياسية ما يمكنها من التأثير في مسار الصراع في المنطقة.
وهو رسالة إلى دول تحالف العدوان، وخاصة أمريكا والسعودية والإمارات، بأن اليمن الذي حاولوا احتلاله وإخضاعه قبل أحد عشر عاماً، أصبح اليوم أقوى مما كان، وأن استمرارهم في نهج العدوان والحصار لن يجلب لهم إلا المزيد من الخسائر، وأن السبيل الوحيد لإنهاء هذه المعاناة هو التوقف عن العدوان وفك الارتباط بالأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
وهو رسالة إلى الشعب الفلسطيني بأن اليمن بقيادته وشعبه وجيشه، يقف إلى جانبه بكل ما أوتي من قوة، وأن ما يقدمه اليمن في البحر الأحمر من عمليات إسناد هو جزء من التزام أخلاقي وديني لا يمكن التراجع عنه، وأن السند اليمني لفلسطين لن يتوقف مهما كانت الضغوط.
وهو رسالة إلى إيران ولبنان، بأن اليمن يدرك أن ما تتعرضان له من عدوان هو جزء من مؤامرة كبرى تستهدف كل جبهات المقاومة، وأن اليمن ليس بمنأى عن هذه المؤامرة، بل هو شريك في المعركة. سيكون له الدور الفاعل والمؤثر في دحر الكيان الصهيوني.
كما صدر عن هذه المسيرات المليونية بيان ختامي جامع، حمل في طياته رسائل سياسية وعسكرية وأخلاقية واضحة، حيث توجه البيان إلى الله سبحانه وتعالى بعظيم الحمد والشكر والثناء على ما وفق اليمن له من الصمود والصبر، وعلى ما من به عليه من النصر، محولاً هذا اليوم من يوم أراد الأعداء أن يجعلوه ذكرى لهزيمة اليمن واحتلاله، إلى يوم للصمود والانتصار ومحطة مضيئة في تاريخ الشعب اليمني.
وأكد البيان أن الشعب اليمني لن يتخلى عن خيار الجهاد والصمود والثبات على مواقف الحق، التي أثبت الواقع والأحداث والتطورات أنها كانت الخيار الأسلم والقرار الأحكم، وفيه تجلى إيمان وحكمة الشعب اليمني مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الإيمان يمان والحكمة يمانية".
وجدد البيان الدعوة للنظام السعودي إلى التوقف عن نهجه العدواني ضد اليمن، وأن يفك نفسه من الارتباط بالأجندة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، وأن يترك المجال للأمريكي والإسرائيلي ليواجها الشعب اليمني بشكل مباشر، حتى لا يكون مصيره مصيرهم، والعاقبة للمتقين.
كما جدد البيان تمسك اليمن بالقضية الفلسطينية وبالوقوف مع الشعب الفلسطيني المظلوم ومقاومته البطلة، وبالدفاع عن المقدسات حتى تحرير فلسطين كل فلسطين وزوال الكيان الصهيوني الغاصب، مؤكداً أن اليمن جزء لا يتجزأ من جبهة الجهاد والمقاومة مع كل أحرار الأمة، ولا يمكن أن يكون محايداً في ذلك إطلاقاً.
وشدد البيان على أن العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى لبنان هو عدوان على الأمة بكلها، ويهدف لفرض العدو اليهودي الصهيوني حاكماً وسيداً على المنطقة وعلى المقدسات باسم "إسرائيل الكبرى"، مؤكداً أن اليمن ليس في حالة حياد أو تعاطف أجوف وسلبي، بل هو جزء من جبهة المواجهة لهذا العدوان، وأيديه على الزناد ومستعد لكل الخيارات.
واختتم البيان بدعوة الشعب اليمني إلى مواصلة الجهود والجهاد والاستعداد والتعبئة العامة بكل أنواعها، والدفع بالطلاب إلى الدورات والأنشطة الصيفية لتحصينهم بالقرآن الكريم من هجمات الأعداء المضلة، كما دعا شعوب الأمة إلى العودة العملية الصادقة إلى كتاب الله والالتزام بتعاليمه، فهو كفيل بإنقاذ الأمة بل والبشرية بكلها.
لقد كان هذا الخروج المليوني، في هذا التوقيت بالذات، وبحجمه الهائل وبتنظيمه المحكم، وبالشعار الذي حمله والرسائل التي تضمنها، إعلاناً صريحاً بأن اليمن اليوم في موقع القوة، وأن معادلات المنطقة تتغير، وأن المشروع الأمريكي الصهيوني الذي راهن على كسر محور المقاومة عبر توجيه ضرباته المتتالية لفلسطين ولبنان وإيران، سيجد في اليمن حجر عثرة كبيراً، وشريكاً فاعلاً في المعركة، قادراً على قلب الموازين وإحداث التحولات الكبرى.
إنها لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، لحظة يثبت فيها اليمن أن الصمود أحد عشر عاماً لم يكن عبثاً، وأن التضحيات الجسام لم تذهب هدراً، وأن الشعب الذي بنى من تحت الأنقاض قوته، ومن رحم المعاناة عزيمته، هو اليوم شريك أساسي في معركة المصير التي تخوضها الأمة ضد أعدائها.
ومع هذا الخروج المليوني، يثبت اليمن مرة أخرى أن هويته الإيمانية وقيادته القرآنية هما سره الأكبر في هذا الصمود، وأن اليمن اليوم ليس مجرد بلد يافع في جنوب شبه الجزيرة العربية، بل هو أيقونة الصمود والثبات، ونموذج يحتذى به لكل شعوب الأمة التي تبحث عن طريق الخلاص من براثن الهيمنة والاستكبار.




