الإقالات الأمريكية.. معادلات إيران تحوّل "أوهام ترامب" بتفكيك نظامها إلى "زلزال" يعصف بـ"إدارته"

الإقالات الأمريكية.. معادلات إيران تحوّل

نوح جلّاس: تضرب موجة غير مسبوقة من الإقالات رأس المؤسسة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد العدوان على إيران وما يقابله من ردع زلزل القوة الأمريكية، وخلق ارتدادات عكسية تجاوزت تدمير منظومة الهيمنة العسكرية لواشنطن في المنطقة لتصل إلى قلب مفاصلها.

 

 

الإقالات، التي طالت قيادات من الصف الأول في الجيش والاستخبارات، ناجمة عن التطورات الميدانية التي تسيطر الجمهورية الإسلامية على مجرياتها، حيث يظهر بوضوح أن ما فرضته إيران من معادلات ردع، سواء عبر استهداف العمق العملياتي أو إسقاط طائرات متطورة أو تدمير القواعد، قد انعكس مباشرة على تماسك المؤسسة العسكرية الأمريكية، ودفعها إلى إعادة تشكيل قيادتها تحت ضغط الفشل.

 

في مقدمة هذه القرارات، أُقيل رئيس أركان الجيش "الجنرال راندي جورج" وأُجبر على التقاعد الفوري رغم أن ولايته كانت ممتدة حتى عام 2027، في خطوة صادمة داخل البنتاغون، تزامناً مع إقالة "الجنرال ديفيد هودن" قائد قيادة التحول والتدريب، واللواء "ويليام غرين جونيور"، ضمن ما وصفته تقارير أمريكية بـ "زلزال البنتاغون".

 

كما تأتي هذه الإقالات امتداداً لمسار سابق شمل الجنرال "جيفري كروز" مدير وكالة استخبارات الدفاع الذي أطاح به الردع الإيراني في نسخته الماضية، وقبله إبعاد رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق "الجنرال تشارلز كيو براون جونيور" على وقع التغيرات التي فرضتها جبهات المقاومة في المنطقة، مما يشير إلى تجدد دائرة التصدعات لتشمل رأس الهرم العسكري الأمريكي، في توقيت بالغ الحساسية، يكشف مدى الاضطرابات التي تعيشها واشنطن.

 

ولعل الدلالة الأبرز أن هذه التطورات جاءت بعد مرحلة كان فيها الخطاب الأمريكي يتحدث عن إسقاط النظام الإيراني واغتيال قياداته، قبل أن تنقلب المعادلة، لتجد واشنطن نفسها أمام أزمة داخلية، وتصدع في منظومة القيادة، وتزايد في القلق داخل البنتاغون من تداعيات هذه القرارات على مجريات الميدان العسكري الذي يبدو أنه ضاق ذرعاً بكل الخيارات الأمريكية.

 

واللافت أن هذه القرارات لم تُبنَ على مراجعات استراتيجية عميقة، حيث وصف مسؤولون في البنتاغون ما يجري بأنه "إطلاق النار على القدم" و"جنون" في ظل "حرب مفتوحة"، خصوصاً أن الإقالات طالت قادة يشرفون مباشرة على إدارة العمليات وإدخال القوات والمعدات إلى مسرح المواجهة، مما يؤكد أن الولايات المتحدة تعيش حالة من انعدام الحلول، وبشكل غير مسبوق.

 

كما أن هذا المشهد يكشف انتقال الأزمة من مستوى الأداء العسكري إلى مستوى صناعة القرار ذاته، حيث باتت المؤسسة العسكرية تعاني من خلل داخلي وهي في ذروة المواجهة، لتترجم هذه التطورات حجم الضغط الذي فرضه الميدان.

 

وفي السياق ذاته، يتحدث الإعلام الأمريكي عن موجة إقالات سياسية قادمة عقب إزاحة وزيرة العدل "بام بوندي"، والتوجه نحو إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) "كاش باتيل"، تزامناً مع تقرير لـ "واشنطن بوست" نقلاً عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن ترامب يتجه لإقالة وزيرة العمل "لوري تشافيز ديريمر"، ووزير التجارة "هوارد لوتنيك"، وهو ما يعزز حقيقة أن تأثيرات الردع الإيراني تتمدد لتصيب عمق المنظومة القيادية الأمريكية، ولم تعد محصورةً في الجناح العسكري، لا سيما أن هناك انعكاسات اقتصادية كارثية تعصف بالولايات المتحدة على وقع المعادلات التي فرضتها طهران، وتواصل توسيعها.

 

ويكتسب توقيت هذا الاضطراب دلالة حاسمة، إذ تأتي هذه الإقالات في لحظة تصعيد سياسي غير مسبوق من إدارة ترامب، التي تطرح في المقابل سيناريوهات توسيع "الحرب"، وصولاً إلى الحديث عن غزو بري للجزر الإيرانية، في مفارقة صارخة بين خطاب هجومي متصاعد وواقع داخلي يشهد تفكيكاً لأعلى هرم القيادة العسكرية والسياسية.

 

هذا التناقض يعكس فجوة متسعة بين الأهداف المعلنة والقدرات الفعلية، ويشير إلى صراع داخل المؤسسة الأمريكية بين منطق متخبط يدفع نحو التصعيد، ومنطق يصطدم بوقائع ميدانية أكثر تعقيداً، فرضتها إيران عبر تكتيكاتها وقدرتها على إدارة المعركة.

 

وفي هذا السياق يرى مراقبون أن توسيع دائرة الإقالات لتشمل قيادات في مجالات التحول العسكري والتدريب والاستخبارات يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بفشل التقديرات المسبقة، وعدم قدرة المنظومة الحالية على مواكبة الارتدادات العكسية، مما دفع ترامب إلى إعادة تشكيل شاملة تحت ضغط الميدان، وفي المقابل تشير الأيام الأولى لهذه التشكيلات الجديدة إلى تنامي تصدعات أشد وطأة، مما يؤكد أن مفعول الردع الإيراني سيلاحق كل إجراءات واشنطن المقبلة.

 

وبينما تواصل واشنطن رفع سقف التهديد والتصعيد، يظهر الواقع أن موازين القوة على الأرض تفرض مساراً معاكساً، صورته عبارة عن ردع يفرض معادلاته في الميدان، ويتردد صداه داخل غرف القرار في البنتاغون والبيت الأبيض أيضاً.