تقرير | يحيى الشامي
هل يمكن أن يكون الكيان الإسرائيلي أقرب إلى الهزيمة وهو ما يزال يقاتل؟
في خضمّ العدوان الصهيوأمريكي المتصاعد على إيران يترسّخ سؤال صامت، لكنه مدمر، في أروقة الدوائر الأمنية الصهيونية والدولية: ماذا لو كانت الحرب التي يخوضها الكيان ليست مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، بل هي بداية انهيار داخلي متعدد الأبعاد؟ وبينما يواصل القادة الصهاينة الترويج لرواية "النصر الحاسم" و"تغيير الشرق الأوسط"، تكشف الوقائع الميدانية والأرقام والتقارير الاستخباراتية صورة معاكسة تماماً؛ صورة ترسم ملامح استنزاف غير مسبوق في منظومات الدفاع الجوي، وشلل استراتيجي في إدارة الجبهات، وتصدّع عميق في التماسك "المجتمعي"، والأخطر من كل ذلك هو الانزلاقُ نحو حرب بلا أفق سياسي واضح، ولا مخرج محسوب، حيث تحول "الردع" إلى سباق استنزاف ينهش في جسد الكيان وقدرته على البقاء
قبل أن تنتهي الحرب تنهار الرواية
الفرضية الأكثر خطورة التي تواجه كيان العدو اليوم ليست مجرد استمرار المواجهة العسكرية، بل هي اللحظة التي تتوقف فيها الحرب بشروط لا يملك هو مفاتيح التحكم بها، وهو المأزق الذي يلوح الآن في الأفق بوضوح؛ فالجديد في المعادلة هو ما تتناقله الدوائر الدبلوماسية والإعلامية عن قرار واضح بربط وقف إطلاق النار الشامل بمصير الجبهات المتعددة، وتحديداً الساحة اللبنانية. عملياً، حتى لو حاول الكيان الصهيوني الخروج من مواجهته الحالية بهدنة مؤقتة أو اتفاقات جزئية، فإن رفضه لاتفاق شامل ينهي الحرب على لبنان سيبقي جبهة الشمال مفتوحة على كل الاحتمالات. وهنا يبرز المأزق الوجودي حيث كيان العدو لا يمكنه إقفال الجبهة اللبنانية دون ثمن سياسي وعسكري باهظ يُقرأ في الوعي الجمعي الصهيوني والعالمي كهزيمة مدوية. وفي الوقت ذاته، لا يستطيع تحمّل استمرار النزيف دون غطاء أمريكي مباشر ومستدام، وفي هذا السياق، بدأت الصحافة الصهيونية -بشقيها المعارض والموالي- في تبني مقاربات تشكك في الخيار العسكري ذاته؛ يتحدث محللون في "هآرتس" عن "حرب بلا أفق"، ويكتب المحللون في "يديعوت أحرونوت" أن "حديث النصر الحاسم لم يعد واقعياً في ظل حرب متعددة الجبهات"، وهي أصوات تتعدّى كونها مجرد معارضة سياسية للحكومة، إلى حقيقة أنها قراءة أمنية ناضجة تعكس إدراكاً عميقاً بأن "إسرائيل" قد دخلت نفقاً مظلماً لا تملك مفاتيح الخروج منه.
مضلة "السقوف المرتفعة" وفجوة الوعود
يعيش الكيان المحتل حالة من التصدع في جدار الموقف الصهيوني العام، برزت إشاراته الواضحة من خلال التسريبات القادمة من ضباط كبار في جيش الاحتلال، والذين بدأوا يقرون بأن العمل العسكري -مهما بلغت شدته- لن يؤدي إلى نتائج استراتيجية حاسمة ضد المقاومة في لبنان، وهي المعطيات الناجمة عن واقع ولّد موجة واسعة من الإحباط بين قطعان المغتصبين، الذين يجدون أنفسهم أمام خطابين متناقضين تماماً: الأول خطاب سياسي يتبناه نتنياهو وفريقه، يتميز بنبرة عالية ووعود بـ"النصر المطلق"، والآخر خطاب عسكري ميداني يقر بالعجز عن تحقيق تلك الأهداف. يقول يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين الصهيوني، معبراً عن هذا الانقسام الحاد: "هذه الحكومة تبيعنا أوهاماً؛ لقد اختبرنا هذا الوهم بالفعل في غزة، فقد تحدثوا إلينا عن نصر مطلق، ونفس القصة ونفس الفشل في غزة يتكرر لدينا أيضاً في الساحة الشمالية، وللأسف فإن نفس القصة تحدث لنا في إيران". وهو ما يعكس حقيقة أن "النصر" الذي يبحث عنه الكيان تحول إلى سراب يطارد القيادة السياسية، بينما يغرق جيش العدو في وحل الجبهات المستنزفة.
استنزاف البنى التحتية.. حربٌ أحلاها مُر
إذا استمرت الحرب وتصاعدت، فإن الكيان ينتقل من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة "حرب البنى التحتية الشاملة". النقاش في أوساط الصهاينة لم يعد يدور حول استعادة "الردع" فحسب، بل تحول إلى قلق وجودي حول كيفية حماية منشآت الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، ومنصات الغاز في البحر المتوسط. في صحيفة "معاريف" كتب أحد المحللين العسكريين بوضوح: "إسرائيل لم تُبنَ لتحمّل ضربات مستمرة على منشآتها الحيوية"، وهو تقدير يستند إلى وقائع ميدانية بدأت تظهر للعيان؛ فصواريخ المقاومة وطائراتها الانقضاضية تصل إلى العمق رغم كل طبقات الدفاع، مسببة تعطلاً جزئياً في بعض الخدمات الحيوية، ومع احتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، يجد الكيان نفسه أمام معادلة حصار فعلي، حيث تتقلص القدرة على الاستيراد والتموين مقابل ضغط داخلي متزايد، ما يوضح مستنقع الواقع المعاش في الكيان، وهو ما يعزز التساؤل الجوهري: هل كان قرار خوض هذه الحرب محسوباً بدقة؟ وهل تملك الحكومة تصوراً حقيقياً لنهايتها، أم أنها مجرد "هروب إلى الأمام"؟
أزمة الذخائر والدفاع الجوي
الأرقام هي الأخرى تكشف حجم المأزق وعمق الورطة بلغة أخطر وأصدق، ما يضرب رواية "النصر" التي يحاول نتنياهو تسويقها باستخدام لغة الأرقام، حيث لم يعد سراً أن منظومات الدفاع الجوي الصهيونية تعاني من استنزاف هائل؛ فقد أشارت تقارير في "يديعوت أحرونوت" و"تايمز أوف إسرائيل" إلى بدء سياسة "تقنين" استخدام صواريخ الاعتراض، ما يعكس فجوة مرعبة بين كثافة التهديدات الصاروخية والقدرة على التصدي لها. تشير التقديرات العسكرية إلى أن مخزون الأنظمة المتقدمة، مثل "مقلاع داوود" و"سهم" (Arrow) و"القبة الحديدية"، قد لا يكفي إلا لفترة محدودة جداً إذا استمر المعدل الحالي للهجمات. بل إن تقارير بحثية غربية ذهبت إلى أبعد من ذلك، محذرة من أن مخزون صواريخ "آرو" قد "ينفد خلال أيام" في حال وقوع مواجهة شاملة ومكثفة، وهو ما يفسر لجوء ما تسمى وزارة الحرب الصهيونية للتعاقد مع مصانع ألمانية لزيادة الإنتاج بشكل عاجل. حتى الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي والمورد الأساسي، بدأت تواجه نقصاً في مخزونات أنظمة "ثاد" (THAAD) بعد استهلاك آلاف الذخائر في أسابيع قليلة. ما يعني أن الكيان يواجه "سقفاً زمنياً" لقدراته الدفاعية، والسؤال ليس "هل ستنفد الذخائر؟" بل "متى؟" وإذا كان الشهر الأول من التصعيد قد استهلك هذا الحجم الهائل، فكيف سيكون الحال في الشهور التالية؟
صدمة الشمال وفشل "الحل العسكري المنفرد
التحول الأبرز والأكثر خطورة يظهر في الداخل الصهيوني، وتحديداً في مغتصبات الشمال، وصولاً إلى حيفا التي تمثل في الأدبيات الصهيونية "روح إسرائيل" وقدرتها على البقاء، فالفشل في تأمين هذه المناطق وتحويل الوعود بعودة المغتصبين إلى واقع، خلق حالة من الغضب العارم. يكشف نير حيفتس، المستشار السابق لنتنياهو، عن كواليس هذا الإحباط بقوله: "كان هناك إحاطة لمسؤول كبير في قيادة الشمال أمام المراسلين العسكريين أخرجت سكان الشمال عن طورهم، وكان عنوان الكلام أن تفكيك حزب الله من سلاحه ليس من أهداف الحرب! هذا أثار غضباً كبيراً.. هؤلاء هم السكان الذين يُتوسل إليهم منذ شهور للعودة ويقولون لهم سيكون كل شيء على ما يرام، وقد وصلنا في الشهر الأخير إلى كل شيء ما عدا أن يكون كل شيء على ما يرام".
هذا التناقض الصارخ يؤكد أن القيادة الصهيونية تعاني من "عمى تقديري" حول قدرات المقاومة، وهو ما يوضحه المحلل السياسي "كوبي سادوري" بقوله: "سأقول لكم شيئاً يوضح أنه لا يوجد شيء اسمه حل عسكري وحده.. تفكيك حزب الله هو هدف مهم لا مثيل له، ولكن لا يمكن تحقيقه فقط من خلال عملية عسكرية، لأن معنى العملية العسكرية هو احتلال لبنان، ولا أحد منا يستطيع الآن احتلال لبنان.
سلاح "الكذب" وانهيار المعنويات
في ظل هذا التخبط، يبرز "الكذب الممنهج" كأداة تستخدمها القيادة السياسية لصناعة وهم النصر والتلاعب بالجمهور، لكن هذا السلاح بدأ يرتد على أصحابه؛ فالمجتمع الصهيوني بدأ يدرك الفجوة الهائلة بين ما يُقال في المؤتمرات الصحفية وما يحدث في الملاجئ والشوارع. المحلل السياسي الصهيوني رفيف دروكر لخص هذه الحالة بقوله: "أكثر ما يضر بالمعنويات في وقت الحرب هو الكذب، وعندما تنشأ فجوة التوقعات الهائلة هذه بين الفارين إلى الملاجئ على أمل أن التهديد سيزول في يوم ما، ثم يكتشفون أن هذا اليوم لن يأتي. لقد كذبوا علينا منذ البداية في ما يتعلق بتغيير النظام في إيران والذي لن يحدث، وفي ما يتعلق بأن حزب الله سيجرد من سلاحه".
هذا المناخ يضع الكيان أمام اختبار مزدوج وغير مسبوق: اختبار القدرة على الصمود العسكري الميداني، واختبار القدرة على الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية المتهالكة، فالحرب التي بدأت بشعارات "الحسم" و"الردع" تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا يكون العامل الحاسم هو عدد الغارات أو حجم الدمار فقط، بل هو قدرة المجتمع على الاستمرار في تصديق رواية قيادته.
فخ الاستنزاف والنهاية المجهولة
المشكلة الأعمق التي يعانيها كيان العدو اليوم تتصل بعمى تقديراته حول قدرات حزب الله وحركات المقاومة، وانطلاقه في المواجهة من فرضيات غير دقيقة، فرضيات وضعته أمام تقلبات ميدانية معاكسة تماماً لما خُطط له، ومع تكرار الفشل من جبهة إلى أخرى، تتراكم التداعيات النفسية والسياسية، وتتحول الاستراتيجية المدعاة إلى "كذبة متنقلة" يسير بها المجرم نتنياهو وفريقه الحالم بتغيير وجه الشرق الأوسط. الحرب "الاستباقية" بمفهومها العسكري من المفترض أن تزيل تهديداً وشيكاً، لكن ما فعله نتنياهو هو تحويل تهديد مستقبلي إلى تهديد راهن ووجودي ومستمر، دون امتلاك الأدوات الكافية لإنهائه. هنا تكمن الإجابة على السؤال: لماذا يخشى الكيان وقف الحرب؟ فهـو يخشى مواجهة "يوم الحساب" الداخلي، حيث سيقف الجمهور الصهيوني ليسأل: لماذا بدأت هذه الحرب؟ ولماذا انتهت دون نصر، بل باستنزاف جعل الكيان أضعف وأكثر تمزقاً مما كان عليه قبلها؟ إنها "حرب اللاعودة"، حيث الاستمرار انتحار بطيء، والتوقف اعتراف صريح بالهزيمة، وكلاهما يؤديان الى تمهيد الطريق نحو الزوال السائر صوبه الكيان.










