أسباب غرس المشروع الصهيوني ودور الأنظمة العربية في تصفية القضية الفلسطينية

أسباب غرس المشروع الصهيوني ودور الأنظمة العربية في تصفية القضية الفلسطينية

كان يفترض أن يشكّل غرس الكيان الصهيوني المعادي في قلب أمتنا لحظة يقظة كبرى، وأن يكون دافعًا لاستنهاض واعٍ وتقييم شامل للواقع. إن إقامة كيان غريب وعدائي يستقطع جزءًا من بلادنا العربية والإسلامية، ويعتدي على مقدساتنا، ويستهدف شعبًا كاملًا من شعوبنا، ليس حدثًا عابرًا أو تفصيلًا هامشيًا، بل هو جرحٌ نازف في جسد الأمة، جرحٌ فلسطيني غائر كان ينبغي أن يهزّ الضمائر ويوقظ القلوب من سباتها الطويل.

 

كان منتظرًا أن توقِظ هذه الفاجعة الكبرى عقول الأمة ووجدانها، وأن تخرج الشعوب من دائرة الغفلة والانشغال بالهامش. وما شهدته فلسطين طوال عقود من الزمن من الإجرام الصهيوني: قتل وتهجير ومصادرة للمدن والقرى والأراضي وتدنيس للمقدسات والزج بآلاف من الشباب الفلسطيني في المعتقلات وانتهاك لكرامة وشرف الفلسطينيات، كافيًا لتحريك الأمة بالقدر المطلوب، ولكن -للأسف- الواقع العربي على مستوى الحكومات والأنظمة كان مخيبا للآمال، فلم تنل قضية فلسطين، بما تُمثّله من أزمة كبرى وتحدٍ استثنائي، الاهتمام الجاد أو التفعل المسؤول، لا في أوساط الجماهير ولا حتى بين النخب، فظل التناول العربي والإسلامي لهذه القضية دون المستوى، ولم يَرْقَ إلى المكانة الواجبة ولا إلى حجم الخطر.

 

حتى اليوم، لا تزال هذه القضية تتصدر الأحداث بين حين وآخر، برغم ما تحظى به من نقاش موسمي في بعض الأوساط السياسية والعلمائية والأكاديمية، لكنها لم تتحول بعدُ إلى محور دائم للوعي والعمل، ولا إلى قضية ملحّة تُلهِم الحراك الفاعل والمستمر، وهذا القصور لا يقتصر على عوام الأمة، بل يمتد إلى القيادات والمؤثرين وصناع القرار. فثمة تساهل أو تهاون في التعامل مع هذا الخطر الذي بات يهدد هوية ووجود الأمة جمعاء.

 

وكان ينبغي أيضًا -إلى جانب دور هذه المحنة في اليقظة- أن تدفع الأمة إلى مراجعة جذرية: كيف تمكن الأعداء من التغلغل في ديارنا؟ ولماذا نجح الكيان الصهيوني في فرض نفسه قوة فاعلة في المنطقة بدءًا من الصفر؟ كيف استطاع استثمار ضعف الأمة وتفككها ليحضر بقوة ينهزم أمامها الكثير، ويصمت عنها الكثير؟

 

أهم أسباب نجاح العدو في السيطرة على فلسطين

وهنا يجدر بنا القول إن هناك عاملَين أساسيَين ساهما في نشأة وسيطرة العدو الإسرائيلي على فلسطين والأقصى، وهما- في نفس الوقت- متلازمان، عاملان أساسيان ومتلازمان، ويجب أن نأخذ من خلال معرفتهما العبرة، وأن نستفيد منهما في الوقت الحاضر:

 

العامل الأول: هو اهتمام من اليهود، وسعيٌ جادٌ، منظمٌ، برعاية بريطانية وغربية، وفيما بعد حماية أمريكية.

 

العامل الثاني: تخاذل وتقصير كبير في الجانب العربي: عامل ملازم للعامل الأول، وجزء أساسيٌ في المساهمة في ما حدث، باستثناء تحركٍ محدود في الواقع الفلسطيني وفي الواقع العربي، لا يرقى إلى مستوى حجم الموقف، وحجم الخطر، وحجم التحدي. كان مستوى التخاذل كبيراً، وكانت مساحة التخاذل في الداخل الفلسطيني والواقع العربي واسعة جداً، لعاملين أساسيين:- الأول: انعدام في الوعي: الوعي عن هذا الخطر، عن هذه المؤامرة، عن مستواها، والوعي عن الواقع المحلي، والواقع الإقليمي، والواقع الدولي.

 

 الثاني: نقص كبير جداً في الإحساس بالمسؤولية: أن الكثير من أبناء الأمة لا يعتبر نفسه معنياً، ولا مسؤولاً تجاه ما يحدث وتجاه ما يجري، ويدخل مع هذا -أيضاً- نتيجة لانعدام الوعي، ولعدم الالتفات الجاد إلى الموضوع من أصله، يدخل لاعتبارات، اعتبارات مثل: فقدان الأمل، انعدام الرؤية، وعوامل متعددة.

تحرك اليهود من الصفر فيه درس لمن فقد الأمل في التحرر

 

 الاهتمام الكبير من جانب اليهود، فيه عبر كبيرة، ودروس نحتاج إليها الآن كأمة إسلامية، وكشعوب عربية: كيف تحرّك اليهود مما يمكن أن نسميه نقطة الصفر؟ لأن اليوم الكثير يتحرك بين أوساط الأمة لإشاعة اليأس، ولإفقاد الأمة الأمل، حتى بالرغم من كل البشائر ومن كل العوامل المشجعة.

 

اليهود تحركوا من نقطة الصفر وهم في حالة الشتات (في شتى أنحاء العالم)،

 

وحرصوا على أن يكون تحركهم جاداً بكل ما تعنيه الكلمة، وكان عندهم عناية كبيرة بالإنفاق المالي، كانوا يجمعون التبرعات من كل، أو من معظم الأسر اليهودية في العالم لتمويل هذا المشروع، بعد أن أعدوه كخطة، ومشروع عملي معين، باختيار فلسطين لتكون "موطناً" يتوافدون إليه، وينشئون لهم كياناً فيه، ويسيطرون عليه...الخ. ومن ثم يجعلون منه منطلقاً للسيطرة على المنطقة بكلها، أو إقامة ما يسمونه بإسرائيل الكبرى، ويفرضون لهم -من خلال ذلك- نفوذاً عالمياً، وسيطرة عالمية، مع أن الله "سُبْحَـانَهُ وَتَعَالَى" العالم بشرهم وفسادهم؛ كانت حكمته الإلهية قضت بتفريقهم، وتقطيع أوصالهم، وتشتيتهم في العالم. قال الله "جلَ شأنه" في القرآن الكريم: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً}(الأعراف168)، مزق الله شملهم، وقطع أوصالهم، وفرقهم في الأرض، وشتت شملهم في الأرض.

 

دور الأنظمة العربية في تصفية قضية فلسطين

في إحدى محاضراته بمناسبة يوم القدس العالمي، سلط السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الضوء على مخاطر الاتجاه الموالي لـ"إسرائيل" وأمريكا في المنطقة العربية والإسلامية، مركزًا على تداعيات هذا التوجه على القضية الفلسطينية وعلى الوعي الجمعي للأمة الإسلامية، ومبينًا مسؤولية الشعوب في مواجهة هذا الانحراف المصيري.

 

حيث أشار السيد القائد إلى أن: "الأَمريكي والإسْرَائيْلي وُظّف من داخل الأُمَّـة بعض الأنظمة وبعض ذيولها بأن تواجه أي تَحَـرّك يهدف لإيقاظ الأُمَّـة واستنهاض الأُمَّـة وتحريك الأُمَّـة، وللأسف من داخل الأُمَّـة أنظمة عربية. وهناك أَيْضاً داخل الشعوب كذلك مكوّنات تتَحَـرّك في ذات الاتجاه، أي تَحَـرّك نهضوي استقلالي حُر داعم للقضية الفلسطينية معادٍ لإسْرَائيْل، مناهض للهيمنة الأَمريكية، يواجَهُ بقسوة بالغة وبشدة كبيرة.

 

من تلك الأنظمة وتلك المكونات الواقفة معها في نفس الصف، تَحَـرّكوا في ثلاثة مسارات، عملوا على التعطيل.. تعطيل أي تَحَـرّك في الأُمَّـة أي تَحَـرّك نهضوي واعٍ وفاعل في أَوْسَـاط الأُمَّـة، لا يريدون أن يتَحَـرّكَ أحد ضد إسْرَائيْل ليس من المسموح لأحد من جانبهم أن يتَحَـرّك، يريدون للجميع أن يصمتوا، أن يسكتوا، أن يتخاذلوا. عملية التعطيل هذه فعلوا فيها الشي الكثير وغيّبوا القضية الفلسطينية والخطر الإسْرَائيْلي والخطر على المُقّـدسات وعلى الأَقْصَـى الشريف، غيّبوه -إِلَـى حد كبير- من المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، وغيّبوه من الإعْــلَام تماما، وأَصْبَح التعاطي الإعْــلَامي معه تعاطياً روتينياً. ثم اتجهوا بعد ذلك إِلَـى مسار آخر هو مسار التطبيع وتقديم إسْرَائيْل على أنها صديق، وأن الخيار معها هو السلام، وأن الخيار معها هو الصداقة العلاقات العادية، وأنه كيان مقبول مرحَّب به في داخل الأُمَّـة، شريكاً للأُمَّـة في قضاياها وأمورها وشؤونها. اليوم يشترك مع بعض الأنظمة العربية حتى في الحروب، اشترك مع العدوان على الـيَـمَـن بشكل أَوْ بآخر، بأَشْيَاء كثيرة حتى في الغارات الجوية، اشترك حتى في بيع السلاح، اشترك حتى في تشغيل خبراء منه مع النظام السعودي، اشترك في أَشْيَاء كثيرة، ويشترك في التآمر مع أنظمة عربية على قوى المقاومة. صديق شريك مقبول به، ومبادرة السلام تقدم على هذا الأَسَـاس: على أن إسْرَائيْل صديق يُقبل به، وأنه كيان طبيعي حاله حال أية دولة في المنطقة، فقط الاتفاق معه على وقف المشاكل.

التطبيع مع العدو الإسرائيلي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ومحاصرة حركات المقاومة

ولفت السيد عبد الملك إلى جريمة التطبيع مع العدو الإسرائيلي من الوظيفة الشيطانية التي تقوم بها بعض الأنظمة العربية من خلال جر الأمة إلى عداوات أخرى ومشاكل أخرى، وإغراق الأمة في مشاكل لا أول لها ولا أخر، حتى ينسى الجميع إسرائيل، وينسى الجميع القضية الفلسطينية، وينسى الجميع الأقصى الذي يتهدده خطر متزايد. هناك خطوات، كلما تقدمت قوى العمالة في المنطقة، وأنظمة العمالة في المنطقة، في خطوات تطبيعية مع إسرائيل، زادت إسرائيل من خطواتها التي تستهدف بها المسجد الأقصى. الاتجاه الموالي لإسرائيل وأمريكا يساهم في السعي لتصفية القضية الفلسطينية في عالمنا العربي والإسلامي، ولدعم الموقف الإسرائيلي من خلال خطوات متعددة:

 

أولها: محاصرة وتجريم الحركات الفلسطينية المجاهدة، والمقاومة، وحزب الله، بكل ما يمثله حزب الله من جبهة إسلامية، عربية، عظيمة، متقدمة، منتصرة، ناجحة، لها إنجازاتها الكبرى في مواجهة إسرائيل والخطر الإسرائيلي، وبكل ما يمثله حزب الله من تهديد لإسرائيل. كذلك الحركات المجاهدة والمقاومة في فلسطين، فهناك سعي لمحاصرة وتجريم الحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، ووصفها بالإرهاب، وفرض الصفقات الخاسرة على الشعب الفلسطيني.

 

مستشهدًا بالعداء الشديد الذي واجهه الشعب اليمني بسبب موقفه الواضح ضد إسرائيل، ومناهضته للهيمنة الأمريكية. ومن المفارقة العجيبة أن موقف هذه الأنظمة المخزية وصل إلى إسناد العدو الصهيوني والوقوف معه في جبهة واحدة ضد أبناء فلسطين، والتي برز هذا الدور الإجرامي بعد عملية طوفان الأقصى، حيث وقفت هذه الأنظمة ـ وبدون خجل ـ مع عدو الأمة في جريمة إبادته لغزة واغتياله لقادة حزب الله، وكان لها الدور الأبرز في التمويل والدفع لجريمة استهداف السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومن شواهد ذلك ما أشار إليه شهيد الأمة السيد حسن نصر الله قبل اغتياله بفترة من خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة الميادين إلى أن محمد بن سلمان قدم رشوة مجزية للأمريكيين مقابل تصفيته، كما سعت وسائلهم الإعلامية لشيطنة قادة المقاومة الإسلامية في فلسطين، ونعتهم بالإرهاب وتحميلهم مسؤولية ما تعرضت له غزة، وهو نفس المنطق الصهيوني، بل وصل بهم الحال لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة التي اطلقتها القوات المسلحة اليمنية باتجاه الأراضي المحتلة في عملية (معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس) المساندة لأبناء غزة. كما نشهد اليوم وقوفهم العلني إلى جانب العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بسبب موقفها الدعم للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية.

 

ثانياً: المواجهة لكل صوت حر وتحرك مسؤول في داخل الأمة، يعادي إسرائيل، ويناهض الهيمنة الأمريكية.

 

ثالثاً: تغييب كل أشكال التوعية والتعبئة للأمة ضد إسرائيل والخطر الإسرائيلي والأمريكي [ثقافياً، وفكرياً، وإعلامياً، وكل أشكال النشاط الشعبي والرسمي] وهذه مسألة خطيرة جداً.

 

اليوم، المناهج الدراسية الرسمية في العالم العربي غابت مضامين التوعية منها، مع أنها كانت مقصرة في الماضي، كانت مقصرة، ولكن هناك سعي لأن يغيب منها نهائياً كل مضامين التوعية والتعبئة ضد الخطر الإسرائيلي والاستعماري، والخطر الأمريكي، فلا يبقى أي إشارة في أي منهج مدرسي هنا أو هناك ضد إسرائيل (فيها توعية عن إسرائيل، عن خطر إسرائيل، عن القضية الفلسطينية، عن المقدسات، أو فيها تعبئة وتحريض].

 

مواجهة التطبيع مع العدو الإسرائيلي واجب ديني

ويؤكد السيد القائد على أن مسؤوليتنا اليوم هي: إحياء حالة العداء لإسرائيل، وباعتبار ذلك واجباً إسلامياً، مسؤولية دينية، يعني: في مواجهة سعي الآخرين لأن يفرضوا حالة الولاء لإسرائيل، وأن يمسحوا النظرة العدائية، ويغيروها، تجاه إسرائيل؛ يجب أن نحيي حالة العداء لإسرائيل، وباعتبار ذلك ليس فقط خياراً سياسياً، أو ردة فعل، لا. بل واجباً إسلامياً، فريضة دينية، العداء لإسرائيل: فريضة دينية، جزء من التزاماتك الدينية، كما هي أيضاً يفترض أن تكون مسؤولية إنسانية، وأخلاقية، وقومية، ووطنية، وغيرها... لكن هذا البعد مهم، هذا الاعتبار مهم، هذا الجانب أساسيٌ، لاعتبارات واضحة: شعب فلسطين جزءٌ من الأمة الإسلامية، وواجب علينا -دينياً- مناصرة هذا الشعب في مواجهة العدو الإسرائيلي. أرض فلسطين جزء من ارض الأمة، وواجب علينا -إسلامياً- السعي لتحرير كل هذه الأرض حتى لا يبقى منها ذرة رمل واحدة محتلة. كذلك المقدسات، وعلى رأسها الأقصى الشريف: مسرى النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، أولى القبلتين، ثالث الحرمين، وعلينا مسؤولية دينية في تخليص وتحرير هذه المقدسات... ثم لنعي جيداً، في هذا العالم العربي والإسلامي، أن فلسطين هي: المترس المتقدم، والخندق الأول، الذي كلما اهتمت به الأمة، وكلما ناصرته الأمة، كلما وقفت عنه الأمة؛ تقلصت الأخطار في بقية أقطارها.