أم تستقبل طفلها أشلاء في خرقة قماش.. جريمة العدو السعودي في السياني

أم تستقبل طفلها أشلاء في خرقة قماش.. جريمة العدو السعودي في السياني

في التاسع عشر من أكتوبر 2026م، ارتكب طيران العدوان السعودي جريمة حرب جديدة بحق المدنيين في محافظة إب، أسفرت عن استشهاد مواطنين اثنين –أحدهما طفل– وإصابة ثالث بجروح بالغة، إثر استهداف مباشر لدراجة نارية ومعدة تمهيد طرق "شيول" في منطقة ضراس بعزلة نخلان بمديرية السياني.

 

فمع اقتراب غروب شمس ذلك اليوم، كانت الحياة في قرية "ضراس" تجري كعادتها، والكل يكمل ما بقي من عمله، وذاك يعود إلى أهله؛ ومن بين هؤلاء الشاب أحمد رشاد عبدالله صليح، البالغ من العمر 22 عاماً وينتمي لأسرة بسيطة تحت سقف الدخل المحدود، يقود دراجته النارية كعادته بحثاً عن أجرٍ يسير ليعين أسرته به في توفير قيمة لقمة العيش.

وفي طريقه استوقفه الطفل علي نجيب أحمد القيسي، ذو الـ 13 عاماً، طالباً منه إيصاله إلى القرية مقابل مبلغٍ مالي بسيط، فصعد الصغير خلف أحمد ومعهما أكياس تتضمن بعض الاحتياجات والطلبات العائلية البسيطة، ليحذوه الأمل الشغوف بالوصول إلى أمه التي تنتظره بفارغ الصبر، وإخوانه الأصغر منه ووالده وكل أسرته.

وفي ذات الوقت وعلى مسافة غير بعيدة، كان المواطن حمود فرحان قاسم التبعي، سائق الشيول القادم من مديرية العدين، يجلس داخل معدته وسط تصاعد الغبار يمهد التراب ويمسح قارعة الطريق، ويبعد الأحجار الثقيلة إلى حافة المكان مقابل أجر له ولمعدته، يرسله في آخر كل أسبوع إلى زوجته وأطفاله لشراء احتياجاتهم الضرورية.

فيما كان الطيار السعودي يذخر طائرته بالصواريخ الفتاكة والقنابل المتفجرة، ويستقبل التوجيهات من غرفة القيادة والسيطرة في الرياض، بالتحرك لقتل المزيد من المدنيين في اليمن.

تلاقت خطوات الثلاثة في مكانٍ واحد، إذ مرّ الشاب أحمد بالدراجة والطفل خلفه بجوار المكان الذي يقف فيه الشيول، وفي تلك اللحظة بالذات، وصل الطيران الحربي السعودي فوق أجواء منطقة ضراس على علو مرتفع، وبدأ يمسح المكان ويرصد مظاهر الحياة وحركة المواطنين ودقات قلوبهم البريئة.

ودون سابق إنذار، وبصورة تعكس عمق التخبط والعشوائية للعدو وعدم تمييزه بين الأهداف المدنية والعسكرية، ألقى قائد الطائرة غارته الفتاكة مباشرة نحو الدراجة النارية والأجساد التي عليها ومحيطها، ليهز صوتها أرجاء عزلة نخلان وقرية ضراس، وتصل شظاياها إلى سائق الشيول، وتحول الدراجة النارية ومن عليها إلى كتلة لهب مشتعلة في لمح البصر.

جسد السائق يتفحم، والدراجة تحترق، وجسد الطفل تمزق وتناثر في الهواء وعاد أشلاء مبعثرة على الأشجار وفوق التباب وبين الحقول المجاورة، وشظية من الصاروخ تمتد إلى سائق الشيول الذي بالجوار، وكأن الطيار ومن داخل غرفة العمليات كانا منتظِرين لهذه اللحظة عن سابق إصرار وترصد، وليكون ثمن الغارة 3 أرواح ومعدة شق طرق ودراجة نارية وترويع الأهالي.

وفي أقل من ثانية فاضت روح الطفل صاعدة إلى ربها شاكية عدوها السعودي، وتلتها روح الشاب أحمد الذي أنهت النار ملامحه، وغارات الشظايا إلى أجزاء من جسد سائق الشيول، وهو يصرخ من هول المشهد الفاجئ.

دوّى صدى الغارة في أرجاء القرية فهرع الأهالي والمسعفون بذهول ونشيج يمزق الصدور نحو موضع الاستهداف، وكانت الرائحة خانقة والدخان يتصاعد من بين بقايا الدراجة والتراب المروي بالدماء، ليجدوا أمامهم محرقة ومجزرة وحشية بحق 3 مدنيين من أبناء شعبهم المسالمين.

وأمام هول المشهد أخذ المسعفون والأهالي بأيادٍ ترتجف وقلوب مكلومة يبحثون عن الأشلاء المفقودة والقطع المتمزقة التي تفرقت على مسافات بعيدة وعلق بعضها فوق أغصان الأشجار واختلط بالحصى والتراب، ليهب الرجال والنساء والأطفال من أبناء القرية نحو المنطقة، وليصل الخبر كالصاعقة إلى منازل الضحايا.

قام الأهالي بإخماد النيران من جسد سائق الدراجة النارية، وبدؤوا يجمعون جسد الطفل علي نجيب القيسي بعد أن مزقت قوة الغارة جسده النحيل وتناثرت أعضاؤه الصغيرة في دائرة واسعة من المكان، بينما سائق الشيول حمود فرحان يصرخ ويستغيث بعد أن أصيب بشظايا بالغة اخترقت رأسه ووجهه وقدميه وذراعيه وجسده لينزف بعيداً عن أهله وهو مصدوم ومذهول، لا يقدر على الرؤية والخروج من غرفة القيادة التي تحطمت زجاجاتها.

وعندما وصلت أم الطفل علي إلى المكان وتطلعت بين أيدي المسعفين بحثاً عن وجه طفلها، كانت الملامح قد غابت والهيكل الجسدي الصغير قد تفتت.

يجمع الأهالي بنشاط وبحث في كل اتجاه، وتحت كل الأشجار والأشواك، بقايا جسده في شال قماش أسود لأحد المنقذين، وحين وجدت بقية قدم ابنها عالقة عرض الدراجة المشتعلة، جنبها الأهالي مشاهدة الجريمة البشعة، وبدأ أبوه بالصراخ والحمد والمشاركة في تجميع ما بقي من أعضاء ابنه، فيما الأم تتساءل: أين ابني.. هذا ليس علي.. أين وجه علي.. ما ذنب ولدي يا بن سلمان المجرم! ابني طفل، فكيف لأم أن تقبل عودة طفلها في قطعة قماش وصال وأشلاء فاقدة الملامح، وكيف لها أن تضمه إلى صدرها قبل الوداع الأخير، وسط غيظ الأب والأخوة والأهالي، وعدم تصديق أهل القرية لوحشية المنظر.

وفي المستشفى، بادر أحد الأهالي بالاتصال بأهل سائق الشيول المصاب في مديرية العدين ليبلغهم بضرورة زيارته، فكان الخبر كالغارة على أطفاله وزوجته وأهاليه.

كما جُمِعت أشلاء الطفل وبعضٌ من أشلاء السائق وذُهِب بها إلى المشفى لعلهم يتمكنون من فرزها بطرقهم الطبية، وإيداع الجثة وكومة الأشلاء في ثلاجة الموتى.

وتظهر المشاهد مكان الجريمة ومقدار الدم المسفوك بجوار الشيول، وبقية الدراجة المتفحمة، ووجوه الأهالي المرعوبة من هول المشهد وشدة الصدمة النفسية، وعبارات الاستنكار والشجب مما يرتكبه العدو السعودي بحق المدنيين في اليمن.

أحد الأهالي يروي من مكان الجريمة طبيعة الاستهداف، وعيناه ترقبان بحذر شديد صوب زاوية السماء خشيةً من عودة طيران العدو لاستهداف المسعفين: "العدوان السعودي استهدف المدنيين وهم ماشيون في طريقهم على دراجة نارية، متجهين إلى قرية ضراس، وبعض أجزائهم مفقودة، ونحن الآن نبحث عن بقية الأعضاء التي لم نجدها حتى الآن"، ويردف برسالة المظلوم للعدو السعودي الظالم: "سننتقم منكم، والعدوان بالعدوان، والضرب بالضرب، والمطار بالمطار".

فيما يتساءل مواطن آخر باستنكار: "ما دخل الأطفال والمدنيين والشيول والاتصالات؟ هؤلاء مدنيون وهذه مصالح البلاد، لماذا يتعمد العدو السعودي تخريب مصالح الشعب؟".

مواطن ثالث يجدد العهد لدماء الشهداء بقوله: "نؤكد للعدو السعودي من هذا المكان أننا لن نتخاذل أمام كل هذه الدماء المسفوكة والأرواح البريئة التي سقطت، ولن نتراجع مهما عملتم ومهما قصفتم، وعدوانكم هذا تخبط أعمى وشاهد على قرب زوالكم وهزيمتكم".

ولليوم الثالث وقرية ضراس يعمها الحزن والأسى، ويتحول مكان الجريمة إلى مزار لأهالي القرى المجاورة وكل الأقارب والمحبين للشهيدين، لأخذ الدروس والعبر عن فراعنة العصر وكيف يبطشون بالمستضعفين اليوم من أبناء بلدهم، وضرورة التحرك للجهاد في سبيل الله، والنفير العام للدفاع عن الأنفس من مجرم لا يرعوي في ارتكاب أبشع جرائم الحرب والمجازر ضد الإنسانية.

فوفود تصل إلى مكان غارة العدو السعودي ووفود تعود منه، وهم يتألمون ويتأملون أمام ملامح الجريمة ورائحة الدم والبارود وبقايا الأجساد المتفحمة والمنسية بين ذرات التراب وحبات الحصى وتحت الأشجار.

وأتت جريمة السياني بعد يوم واحد فقط من جريمة مماثلة استهدفت منطقة الوادي بعزلة الأشراف في مديرية ذي السفال بمحافظة إب، وأسفرت عن استشهاد امرأة وجرح رجل وامرأة آخرين، وسبقتها عشرات الجرائم الممتدة إلى اليوم الأول من العدوان السعودي على اليمن في 26 مارس 2015م، ولحقت بها جريمة الصيادين في سواحل مديرية ذوباب بمحافظة تعز أسفرت عن استشهاد 8 صيادين على متن قاربهم.

#جرائم_السعودية_في_اليمن


مواضيع ذات صلة :