العدو يمنع الصيد ويفاقم المجاعة: جرائم ممنهجة ضد آلاف الأسر في غزة

العدو يمنع الصيد ويفاقم المجاعة: جرائم ممنهجة ضد آلاف الأسر في غزة

يمتد -عادةً- موسم الصيد في غزة من منتصف إبريل حتى أوائل الصيف، ويعود مرة أخرى في الخريف، حاملاً معه أنواعًا وفيرة مثل السردين والإسكمبلا؛ غير أن هذا الإيقاع انكسر قسراً، ومعه انكسر ميزان الحياة اليومية للصيادين، بعد أن تحول "موسم السردين" من ركيزة اقتصادية وغذائية لآلاف الأسر في غزة إلى هدف مباشر لآلة القتل الصهيونية. وعلى وقع هذا الانحسار الممنهج الذي تفرضه بوارج الاحتلال، ترتفع شهادات صيادي غزة لتؤكد جازمة أن غياب الصيد للعام الثالث على التوالي هو ثمرة حصار مطبق؛ حيث تقف القطع الحربية الإسرائيلية في عرض المتوسط كخط فاصِل ودامٍ بين الصياد ورزقه، فيما تُختزل المسافة المسموح بها إلى أمتار قليلة لا تكاد تكفي لالتقاط ظل سمكة، في سياق سياسة تجويع واضحة المعالم.

 

ومن ذاكرة تلك الوفرة، ينقل الصيادون في غزة حسرات تصف عمق المأساة، ففي مثل هذا الوقت من كل عام، كان البحر قبالة غزة يتنفس على إيقاع موسم "السردين"، حين تقترب أسرابه من الشاطئ لتمنح آلاف العائلات سبباً إضافياً للصمود في وجه الحصار والعدوان، لكن منتصف أبريل من هذا العام مرّ ثقيلاً وكئيباً؛ بلا موسم، بلا وفرة، وبلا ذلك الأمل الذي اعتادوا استخراجه من جوف الموج، ليحل محله واقع مأساوي شديد القسوة.

 

من "لنشات" الوفرة إلى "حسكات" الصمود الاضطراري

تجاوزت التهديدات والمخاطر الصهيونية كل حدود الإجرام لتطال صلب الحق في الحياة ومصدر الرزق الوحيد؛ فالبحر الذي اعتاد الصيادون في غزة أن يكون مصدراً للحياة، استحال بفعل آلة الحرب الصهيونية إلى ساحة مطاردة ومعاناة، تقتفي فيها زوارق العدو الحربية أثر مراكبهم المتواضعة، وتستهدف شباكهم ومعداتهم بطلقات حاقدة، تاركة آلاف العائلات في مواجهة مباشرة مع مخالب الفقر والحرمان الممنهج.

 

وفي خان يونس، يختزل إبراهيم أبو عودة هذا التحول الدراماتيكي بجلوسه المكسور على طرف قارب صغير، مستدعياً شريط الذاكرة لما قبل فاشية عدوان وحصار الإبادة؛ حيث كان موسم السردين يمثل "طوق النجاة" السنوي لتعويض خسائر العام، وموسم الدخل الأوفر بجهد أقل. أما اليوم، فقد استبدل بالوفرة القلق المضاعف، وأصبح لكل رحلة ثمنها الباهظ من الخطر والخسارة، في ظل سوق لا يرحم تتحكم فيه ندرة العرض وسطوة الحاجة.

 

مضيفاً "وفي مواجهة آلة القتل والتجويع الصهيونية، تبرز اليوم "الحسكة" البدائية كأداة صمود اضطرارية وفرضها واقع تدمير قطاع الصيد؛ إذ يضطر الصيادون لبيع مراكبهم الكبيرة لشراء هذه القوارب الصغيرة التي لا تحتاج إلى وقود "المفقود أصلاً"، في محاولة بائسة لانتزاع القليل من الأمل من بحر بات الوصول إلى أعماقه محرماً بقرار من فوهات مدافع الاحتلال".

سياسة "الأرض المحروقة" في عمق البحر

"قبل سنوات، كان إنتاج غزة من الأسماك يتجاوز 5 آلاف طن سنويًا، بل لقد كان إنتاج السردين وحده يصل إلى نحو 30 طنًا يوميًا، إضافة إلى مئات الأطنان من المزارع السمكية". هذه الأرقام المنهارة يوثقها أحمد الإجلة، منسق المشروع في جمعية التوفيق التعاونية لمصايد الأسماك، موضحاً: "لقد كان الصيد اليومي في قطاع المصايد بالأعوام السابقة للعدوان الصهيوني في أكتوبر 2023، وخلال الموسم الواحد يتراوح بين 15 و20 طنا. حيث كانت مصايد الأسماك تمثل قطاعا حيويا للتغذية والدخل في غزة. أكثر من 6,000 فرد في غزة، من بينهم 4,200 صياد ومالك قوارب مسجلين، اعتمدوا على الصيد كمصدر دخل رئيسي، وكان القطاع يدعم حوالي 110,000 شخص".

 

ويضيف الإجلة "بيد أنه ومنذ بدء العدوان وحرب الإبادة، أخذت الأرقام تتراجع دراماتيكياً، حتى لم يعد يصطاد جميع الصيادين سوى بعض كيلوغرامات فقط: 5 كيلوغرامات، 3 كيلوغرامات، و2 كيلوغرام" كما لو أن البحر نفسه يُستنزف. مؤكداً "في هذا المشهد، لا يبدو غياب السردين مجرد خسارة موسمية، بل علامة على اختلال أعمق: حين يُحاصر البحر، تُحاصر الحياة. وحين يُمنع الصياد من الإبحار، لا يخسر فقط يوم عمل، بل يفقد امتدادًا طبيعيًا لوجوده".

 

يصف المدير العام للإدارة العامة للثروة السمكية، المهندس وليد ثابت، حجم الجريمة، مؤكداً: "ما جرى هو دمار واسع طال كل مفاصل القطاع. فأكثر من 1800 قارب صغير تضرر، إلى جانب مئات غرف الصيادين ومرافق حيوية، بينها مصانع الثلج والمزارع السمكية ومنظومات الطاقة الشمسية، إلى جانب تدمير ميناء غزة الرئيسي، و5 مراسي دمرت بالكامل. حتى البنية التي تحفظ الصيد بعد خروجه من البحر لم تسلم".

 

في السياق ذاته، يلفت رئيس اتحاد لجان الصيادين، زكريا بكر، إلى أن الاحتلال دمر 95% من مقومات الحياة للصيادين الفلسطينيين عبر تدمير بيوتهم وممتلكاتهم ومراكبهم وجميع المعدات المتعلقة بقطاع الصيد، كما دمر الاحتلال ميناء غزة البحري وغرف ومخازن الصيادين والمرافق المرتبطة بهذا الميناء الوحيد في القطاع.

 

وأشار بكر إلى أن الإحصائيات الميدانية تؤكد أن حجم المحرقة التي طالت الأصول الإنتاجية؛ حيث كان يوجد في القطاع 96 قارباً كبيراً، ما يعرف فلسطينياً بـ "اللنش"، دمرت جميعها، ولم يبق منها إلا قارب كبير واحد جراء حرب الإبادة الإسرائيلية وعمليات القصف التي طالت قطاع الصيد خلال سنوات العدوان والحصار. وحسب بكر، فإن 85% من الصيادين الفلسطينيين نزحوا من مناطق غزة والشمال باتجاه المناطق الوسطى والجنوبية للقطاع. مضيفاً: "لم يعد الصياد يبحر، بل يزحف على حافة البحر بقوارب بدائية صغيرة، لا تُنتج إلا القليل، بالكاد يسد رمق يوم".

 

أما عن فاتورة الدمار المادي التي يسعى الاحتلال من خلالها لتصفية القطاع، أوضح رئيس لجان الصيادين زكريا بكر -في تصريح لـ "المركز الفلسطيني للإعلام"- أن قطاع الصيد يتكبد خسائر شهرية تُقدّر بنحو 5 ملايين دولار نتيجة توقف العمل وشلل الحركة البحرية، مشيرًا إلى أن هذه الخسائر طالت بشكل مباشر نحو 5 آلاف أسرة فلسطينية تعتمد على الصيد كمصدر رئيسي للدخل، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالقطاعات المكملة، كبيع الأسماك، وصناعة الشباك، والنقل، والتبريد.

 

وكشف بكر أن الخسائر غير المباشرة بفعل التوقف عن العمل تقدر بنحو 120 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر الإجمالية، والتي لحقت بقطاع الصيد قرابة 700 مليون دولار، نتيجة التدمير الواسع الذي ألحقه الاحتلال بالبنية التحتية للقطاع، بما في ذلك تدمير مبنى الصيادين، والحسكات (القوارب الصغيرة)، والمركبات، وكافة المعدات والمتعلقات المرتبطة بالمهنة.

 

في ختام المشهد القاتم

يلخص خالد رضوان أحمد اللحام، صياد السمك البالغ من العمر 35 عاما من خان يونس، الفارق بين الحياة والموت: "كانت حياتنا جيدة قبل الحرب. كان لدينا مصدر لدخل من أقفاص البحرية. كنا نعمل، وراضين، ونعيش حياتنا. كل شيء كان على ما يرام. الحرب ضربتنا، وتوقف كل شيء".

 

وهو ما يعززه وائل الدايا، مدير مشروع مصايد الأسماك في منظمة الأغذية والزراعة، محذراً من الكارثة الوشيكة: "يذكر معظم الصيادين أن أصولهم وسفنهم وممتلكاتهم دمرت خلال الحرب. لا يمكنهم الوصول إلى البحر، فهذا ممنوع"، مشيراً إلى أن "الوضع الإنساني في قطاع غزة قاتم وسريع التدهور، تَوفر الغذاء في أدنى مستوياته على الإطلاق في كامل قطاع غزة، وتدهورت إمدادات الغذاء بشكل حاد".

 

 


مواضيع ذات صلة :