كيف صُنعت الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران؟

كيف صُنعت الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران؟

أنس القاضي 

 

نادراً ما تبدأ الحروب الكبرى بلحظة قصفٍ مفاجئة. ما يظهر في العلن كـ«انفجار» عسكري يكون في العادة نهاية مسار طويل من التحشيد السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي. في حالة الحرب العدوانية على إيران من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، يتضح أن لحظة الضربة لم تكن بداية الحرب بل تتويجاً لسلسلة خطوات تراكمية هدفت إلى إعادة صياغة ميزان الردع في منطقة "الشرق الأوسط"، وإعادة تحديد موقع إيران في النظام الدولي.

 

 فِهمُ هذا المسار ضروري، لأن تفسير الحرب من لحظة العمليات العسكرية فقط يؤدي إلى قراءة مبتورة السياق تتجاهل بنية الصراع الأعمق، فالحرب على إيران مرتبطة بمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، وتهيئة المنطقة للنفوذ الصهيوني، لهذا فالحرب كمشروع أسبق من لحظة تفجير الحرب.

 

التحريض والتحشيد

شهدت السنوات التي سبقت الحرب عملية ممنهجة لإعادة إنتاج صورة إيران بوصفها خطراً مركباً يتجاوز الإطار الإقليمي. لم يعد الحديث مقتصراً على برنامج نووي مثير للجدل، بل جرى الربط بين هذا البرنامج وبين تطوير الصواريخ الباليستية، وبناء شبكات نفوذ إقليمية في إشارة إلى محور المقاومة، واستخدام أدوات الحرب غير المتكافئة مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. أدت هذه السردية إلى توسيع تصوير "التهديد الإيراني" المزعوم من خطر على كيان بعينه إلى خطر على «النظام الدولي» ذاته، خصوصاً في ما يتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي.

 

ساهمت مراكز الدراسات المتحيزة ووسائل الإعلام الغربية في ترسيخ هذه الصورة، عبر تقارير متكررة تحذر من اقتراب إيران من «عتبة نووية»، ومن قدرتها على "تعطيل شرايين التجارة العالمية"، وفي الوقت نفسه، جرى فهمُ الحضور الإيراني في الإقليم باعتباره تهديداً لنفوذ الولايات المتحدة وحلفائها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، وجرى التضخيم من خطره على دول الخليج والدول العربية، ما منح فكرة الاعتداء على إيران طابعاً دفاعياً في الخطاب الرسمي الغربي الأمريكي الصهيوني، رغم أن طابعها العملي كان هجومياً عدوانياً لا دفاعياً، فطوال المعارك السابقة -منذ طوفان الأقصى- كانت إيران في موقع المدافع لا المعتدي، وكان الكيان الصهيوني من يبدأ الحرب بالعدوان بدعم وتغطية أمريكية.

"الشرعنة" الدولية للحرب

لم يكن ممكناً الانتقال إلى الحرب دون محاولة بناء إطار من "الشرعية" أو القبول الدولي، لعبت العقوبات الاقتصادية دوراً محورياً في هذا السياق، إذ تحولت إلى أداة مزدوجة: وسيلة للضغط على إيران، وأداة لإقناع الرأي العام العالمي بأن إيران ترفض «الاندماج المسؤول» في النظام الدولي. ترافق ذلك مع جهود دبلوماسية لإقناع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين بـ"خطورة" استمرار الوضع القائم، ولو بدرجات متفاوتة من الحماس.

 

لم يتحقق إجماع دولي كامل على الحرب، لكن جرى خلق ما يمكن وصفه بـ«شرعية رمادية»، أي حالة سياسية تسمح بدعم أو تسهيل العمليات العسكرية دون تبنيها رسمياً على مستوى الخطاب العلني أو المؤسسات الدولية. فقد سمحت دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بدرجات متفاوتة باستخدام التسهيلات العسكرية أو اللوجستية أو المجال الجوي في إطار التزاماتها داخل التحالفات الغربية، كما وفرت دول خليجية مثل البحرين وقطر والإمارات والكويت والسعودية، وكذلك الأردن دعماً غير مباشر عبر استضافة قواعد عسكرية أو تقديم تسهيلات تشغيلية مرتبطة بالانتشار الأمريكي في المنطقة، في حين اتخذت دول أخرى مثل سلطنة عُمان وتركيا مواقف أكثر حذراً، فعبّرت عن القلق من التصعيد ودعت إلى ضبط النفس من دون الانخراط المباشر في العمليات.

 

 أما قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين فقد عارضت الحرب سياسياً ودبلوماسياً، ورفضت منحها شرعية دولية، لكنها في الوقت نفسه لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة لمنعها. يعكس هذا المشهد نمطاً متكرراً في الحروب المعاصرة، حيث لا يُشترط توفر إجماع دولي كامل لبدء العمليات، بل يكفي وجود حد أدنى من القبول أو الصمت أو الدعم غير المعلن الذي يسمح باستمرار الحرب ضمن هامش من الشرعية الجزئية.

 

التحشيد العسكري ورسم الخريطة العملياتية

بالتوازي مع التحركات السياسية، جرت عملية إعادة انتشار عسكري واسعة في الشرق الأوسط، قادتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع حلفائها. فقد عززت البحرية الأمريكية وجودها في الخليج وبحر العرب عبر نشر مجموعات قتالية مرتبطة بحاملات طائرات مثل حاملة الطائرات يو إس إس دوايت أيزنهاور، وقطع بحرية مرافقة، كما جرى تعزيز منظومات الدفاع الجوي في دول مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين عبر نشر بطاريات "باتريوت" وأنظمة "ثاد" لحماية القواعد والمنشآت الحيوية، كذلك كثّفت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا مناوراتها البحرية المشتركة في الخليج العربي وبحر عُمان تحت عناوين "حماية الملاحة" و"تأمين إمدادات الطاقة"، وفي المجال الاستخباراتي، عززت واشنطن تعاونها مع شركاء إقليميين مثل كيان الاحتلال الصهيوني "إسرائيل" وبعض الدول الخليجية لتبادل المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية الإيرانية، إلى جانب تكثيف العمليات السيبرانية التي استهدفت شبكات اتصالات وبنى مرتبطة بمنظومة القيادة والسيطرة. ولم تكن هذه الإجراءات مجرد خطوات دفاعية، بل أسهمت عملياً في تهيئة مسرح العمليات وإعادة توزيع موازين الانتشار العسكري استعداداً لاحتمال اندلاع المواجهة.

 

في العديد من الحالات، سبقت الضربات العسكرية العلنية سلسلة عمليات محدودة أو غير معلنة هدفت إلى اختبار قدرات الرد الإيراني وجمع معلومات استخباراتية دقيقة، فقد شهدت السنوات الأخيرة عمليات اغتيال استهدفت شخصيات عسكرية وعلمية بارزة، مثل اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020م، إضافة إلى هجمات سيبرانية نُسبت إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل" استهدفت منشآت حساسة مثل منشأة نطنز النووية. كما جرى استهداف بعض المواقع العسكرية أو اللوجستية المرتبطة بإيران في سوريا عبر ضربات جوية إسرائيلية متكررة، وهو ما أسهم في اختبار أنماط الرد، وقد شكّلت هذه العمليات جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على الضغط التدريجي واستكشاف نقاط الضعف قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة.

الحرب الاقتصادية على طريق المواجهة

شكّلت الحرب الاقتصادية مقدمة حاسمة للمواجهة العسكرية، لم تهدف العقوبات إلى تغيير سلوك إيران فقط، بل إلى إضعاف قدرتها على تحمّل حرب طويلة، استهدفت الإجراءات المالية والنفطية مصادر الدخل الرئيسية للدولة، كما سعت إلى عزلها عن النظام المالي العالمي، وتقليص قدرتها على استيراد التكنولوجيا العسكرية والمدنية.

 

امتد الضغط إلى شركاء إيران الاقتصاديين، حيث واجهت الشركات والدول التي تتعامل معها تهديدات بعقوبات ثانوية، أدى ذلك إلى خلق بيئة اقتصادية ضاغطة ساهمت في زيادة كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة بالنسبة لطهران، ومع ذلك، أظهرت التجربة أن العقوبات -رغم تأثيرها العميق- لم تؤد إلى انهيار داخلي سريع، بل دفعت إيران إلى تطوير استراتيجيات التفاف اقتصادي وتحالفات بديلة.

 

الحرب الإعلامية والنفسية

لم تكن المعركة عسكرية أو اقتصادية فقط، بل كانت أيضاً معركة على الوعي العام، جرى تسويق فكرة أن المواجهة مع إيران باتت مسألة وقت، وأن الضربة الوقائية قد تكون الخيار الأقل كلفة مقارنة بانتظار امتلاك طهران قدرات ردع أكبر. لعبت هذه السردية دوراً في تهيئة المجتمعات الغربية لتقبل فكرة الحرب، وفي تقليل الصدمة السياسية عند اندلاعها.

 

في المقابل، استخدمت إيران خطاباً يقوم على الصمود والسيادة ورفض الإملاءات الخارجية، ما ساهم في تعبئة داخلية نسبية وفي تعزيز رواية المواجهة بوصفها دفاعاً عن الاستقلال الوطني، أدى هذا التفاعل الإعلامي إلى خلق حالة من الاستقطاب الدولي، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري، بل صراعاً على تفسير الشرعية والحق في استخدام القوة.

 

لحظة الانفجار

يطرح توقيت اندلاع الحرب أسئلة استراتيجية معقدة. من جهة، رأت واشنطن والكيان الصهيوني أن الفرصة مواتية لضربة تقلّص قدرات إيران قبل أن تبلغ مستويات ردع يصعب التعامل معها. من جهة أخرى، ارتبط القرار بحسابات داخلية تتعلق بإظهار الحزم واستعادة الهيبة بعد سلسلة أزمات دولية، كما لعبت التحولات في النظام الدولي دوراً مهماً، إذ تزايدت المنافسة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، ما جعل "الشرق الأوسط" ساحة لإعادة تأكيد النفوذ. لم يكن التوقيت نتاج عامل واحد، بل نتيجة تلاقي اعتبارات عسكرية وسياسية واقتصادية، أدى هذا التلاقي إلى لحظة قرار اعتُبرت فيها كلفة الانتظار أعلى -أمريكيا وصهيونيا- من كلفة الحرب، حتى لو كانت النتائج غير مضمونة بالكامل.

 

الحرب كنتاج أزمة ردع وتحول دولي

تكشف تجربة الإعداد للحرب على إيران عن نمط متكرر في تاريخ الصراعات الدولية الكبرى؛ فعندما تشعر قوة ترى نفسها مهيمنة — مثل الولايات المتحدة في لحظات معينة من النظام الدولي — بأن ميزان الردع يميل تدريجياً ضدها، سواء بسبب صعود قوة إقليمية منافسة أو تطور قدراتها العسكرية والتكنولوجية، فإنها تميل إلى اللجوء إلى استخدام القوة بهدف إعادة تثبيت “قواعد اللعبة” التي تنظّم توازن القوى. حدث ذلك مثلاً عندما شعرت واشنطن بأن البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، إضافة إلى توسّع محور في العراق ولبنان واليمن وسوريا، بدأ يحدّ من حرية الحركة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

غير أن نتائج هذه الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار العسكري أو عدد الأهداف التي تم تدميرها، بل بمدى قدرتها على إنتاج وضع سياسي جديد يخدم مصالح القوة التي بادرت بالحرب. فإذا نجحت الحرب في فرض ترتيبات "أمنية" أو سياسية جديدة — مثل تقليص نفوذ الخصم أو تغيير سلوكه الاستراتيجي أو إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية — فإن ذلك يعزز موقع القوة "المهيمنة"، ويطيل عمر هيمنتها الدولية. أما إذا أدت الحرب إلى نتائج عكسية، كتعزيز تماسك الخصم داخلياً، أو توسيع دائرة الصراع، أو استنزاف الموارد الاقتصادية والعسكرية للقوة المهاجمة، فإنها قد تسرّع انتقال النظام الدولي نحو حالة أكثر تعقيداً وتعددية، حيث تتراجع قدرة قوة واحدة على فرض إرادتها منفردة، ويزداد دور قوى دولية وإقليمية أخرى مثل الصين وروسيا والقوى الصاعدة في الجنوب العالمي.

 

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الحرب على إيران كحدث إقليمي معزول، بل كجزء من تحولات أعمق في بنية القوة العالمية. لقد بدأت الحرب قبل أن تُطلق الصواريخ، في غرف القرار وممرات الطاقة وأسواق المال ومنصات الإعلام، وعندما وصلت إلى لحظة الانفجار، كانت قد أصبحت بالفعل صراعاً على شكل النظام الدولي المقبل، لا مجرد مواجهة بين دولتين أو تحالفين.


مواضيع ذات صلة :