تُثبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر تناغمٍ فريد بين جبهتي الميدان والدبلوماسية، أنها باتت رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية لا يمكن تجاوزه أو كسر إرادته؛ إذ تتقاطع التصريحات السياسية مع الجهوزية العسكرية لترسم لوحة وطنٍ عصيٍّ على الانكسار.
وفي تفاصيل المشهد الراهن، خلال الساعات الـ 24 الماضية، والممتد من أروقة مجلس الشورى الإسلامي وصولاً إلى قمة "سان بطرسبرغ" في روسيا، يعكس حقيقة بنيوية واحدة هي أن إيران تقود معركة الدفاع عن السيادة الدولية والمبادئ الأخلاقية في وجه عربدة القوة الغاشمة والغطرسة الصهيو-أمريكية.
المرحلة الجديدة، التي وصفها المراقبون بأنها مرحلة التعقيد الاستراتيجي على تحالف العدوان؛ تظهر فيها إيران ككتلةٍ صُلبة موحدة تحت قيادة حكيمة، حيث يتلاشى الفارق بين المقاتل في الثغور والسياسي في المحافل الدولية، ليشكلوا معًا سدًّا منيعًا أصاب الأعداء بالارتباك واليأس، وجعل قوى الممانعة الكبرى، وعلى رأسها جمهورية روسيا الاتحادية، تقف إجلالاً لصمود شعبٍ أبى إلا أن يكتب تاريخه بقوة وإرادة أبناءه ودماء أبطاله وعرق سياسته الرزينة.
وفي تأكيدٍ على هذه الوحدة العضوية بين الشعب والقيادة، عبّر رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، محمد باقر قاليباف، بلسان الفخر والاعتزاز عن كونه واحدًا من بين 30 مليون متطوّع تقدموا بروحٍ فدائية للتضحية من أجل تراب الوطن، مؤكّدًا أن هذه التضحيات العظيمة للشعب الإيراني هي التي زعزعت ثقة الأعداء وجعلتهم يعيشون حالة من التخبط.
وبحسب رؤية قاليباف؛ فإن أبناء إيران الشجعان هم الأبطال الخالدون الذين يمدون الدولة بقوة دائمة، وهو ما تُرجم سياسيًّا عبر بيان وقّع عليه 261 نائبًا في البرلمان الإيراني، جدّدوا فيه الثقة الكاملة بالوفد الإيراني المفاوض برئاسة قاليباف.
وأوضح النواب أن اتخاذ القرار في البلاد يجري بدقة متناهية عبر محور قائد الثورة وبالإجماع الوطني الشامل، محذرين النشطاء السياسيين من الانجرار خلف التكهنات والشائعات التي يبثها العدو لزعزعة الثقة بالمسؤولين.
وأشار البيان البرلماني بوضوح إلى أن العدو، بعد فشله في المواجهة المباشرة، انتقل إلى حربٍ هجينة معقدة تشمل أبعادًا اقتصادية وأمنية ونفسية، تهدف إلى خلق فجوة بين الميدان والدبلوماسية، إلا أن الوعي الشعبي والالتحام مع القيادة يظلان الصخرة التي تتحطم عليها كل هذه المؤامرات.
وعلى الصعيد الدفاعي والأمني، جاءت تصريحات المتحدث باسم لجنة الأمن القومي، إبراهيم رضائي، لتقطع الشك باليقين حول قدرات إيران الردعية، مؤكّدًا أن القوات المسلحة تمر اليوم بـ"وضع مثالي" وبذروة الجاهزية واليقظة، مشدّدًا على أن القدرة الدفاعية الحالية تجاوزت بمراحل ما كانت عليه حتى في أيام "الحرب المفروضة الثالثة".
هذا الإشراف الكامل على كافة تحركات الأعداء في المنطقة يجعل أيّ تفكير في مغامرةٍ عسكرية ضد إيران نوعًا من الانتحار السياسي والعسكري، وهو ما يعززه الموقف الاقتصادي الذي لخصه عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، اللواء محسن رضائي، بتأكيده أنه لا توجد قوة في العالم قادرة على إيقاف صادرات النفط الإيرانية، ناصحًا الإدارة الأمريكية، وتحديدًا المعتوه ترامب، بالتوقف عن التبجح والالتفات لمعالجة الاضطرابات العميقة التي تنهش في جسد الاقتصاد والحكومة الأمريكية.
وكما صرّح نائب الرئيس محمد رضا عارف، أن صمود وثبات الموقف دفع الدول التي كانت "ترفض تزويد الطائرات الإيرانية بالوقود بهدف شل حركة الشعب"، مرغمةً إلى الجلوس على "طاولة التفاوض لتأمين احتياجاتها من الطاقة الإيرانية"، ما يعكس تحولاً جذريًّا في موازين القوى الاقتصادية، وليس فقط الموازين العسكرية.
دبلوماسيًّا، شكلّت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو ولقاؤه المطوّل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقطة جوهرية في ترسيخ التحالفات الإستراتيجية؛ فقد نقل الرئيس بوتين رسالة تقدير عالية من السيد الخامنئي، مشيدًا بشجاعة وبطولة الشعب الإيراني في الدفاع عن سيادته، مؤكّدًا أن روسيا ستفعل كل ما يلزم لضمان مصالح إيران وتحقيق السلام في المنطقة.
وبحسب تقارير إعلامية؛ فإن اللقاء الذي استمر لأكثر من ساعة ونصف، استعرض فيه الجانبان تفاصيل العدوان الصهيو-أمريكي والمسارات الدبلوماسية المتاحة، بما في ذلك الوساطة الباكستانية للإنهاء الكامل للحرب.
وأكّد عراقجي أن إيران هي خط الدفاع الأول عن القانون الدولي في وجه "ازدواجية المعايير" الغربية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن طهران تدرس حاليًّا احتمال إجراء محادثات عرضتها أمريكا، ولكن من موقع القوة والندية.
وفي خلاصة المشهد اليوم الاثنين، يتضح أن انتخاب إيران نائبًا لرئيس مؤتمر مراجعة نزع السلاح النووي في يومه الأول -بحسب وكالة تسنيم- واعتراف بوتين بأن العالم أجمع بات يثني على نصر إيران في هذه الحرب غير المتكافئة، يثبت أن سياسة الصمود النشط قد آتت أكلها، وأن الجمهورية الإسلامية تمضي بخطى واثقة نحو تثبيت حقوقها المشروعة وقيادة المنطقة نحو السلام والاستقرار، مستندة إلى إرادة شعب لا يعرف الهزيمة وتحالفات دولية تزداد تجذرًا يومًا بعد يوم.





.jpg)




