شبكة NBC تضع القواعد الأمريكية في ميزان الحقيقة وخيارات الإخلاء المريرة تحت وطأة الردع الإيراني

شبكة NBC تضع القواعد الأمريكية في ميزان الحقيقة وخيارات الإخلاء المريرة تحت وطأة الردع الإيراني

جاءت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي دكّت أكثر من 14 قاعدة وموقع متنوع لمعاقل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، خلال الأيام الـ 40 من الحرب الأخيرة، بمثابة إعلان عن دخول مرحلة جديدة، وأفول عصر الهيمنة، حيث تهاوت أسطورة التحصينات تحت عمليات دقيقة كشفت زيف الرواية الرسمية لواشنطن.

 

 

وما نُشر مؤخرًا عبر مصادر استخباراتية رفيعة المستوى لشبكة "إن بي سي" نيوز الأمريكية يأتي كاعترافٍ ضمني بهزيمةٍ إستراتيجية وتكنولوجية كبرى؛ إذ تبيّن أن حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والمنطقة، نتيجة العمليات الإيرانية، يتجاوز بمراحل شاسعة ما حاولت إدارة ترامب تسويقه للرأي العام العالمي.

 

التعتيم الأمريكي المتعمد وإن كان يهدف لحماية الروح المعنوية للجنود والداخل الأمريكي، إلا أنه بدا كمحاولةٍ يائسة لترميم صورة الردع المتآكلة أمام قوة صاعدة باتت ترسم قواعد الاشتباك وفق توقيتها وقدراتها الفائقة التي اخترقت أحدث منظومات الدفاع الجوي.

 

وكشفت المعطيات الصادمة التي نشرتها الـ "إن بي سي"، عن 6 مصادر أمريكية، أن بنك الأهداف الإيراني كان جراحيًّا وشاملاً إلى حدٍّ أصاب العصب الحيوي للوجود الأمريكي في مقتل؛ فقد تركزت العمليات على تدمير مدارج المطارات لتعطيل سلاح الجو، وسحق أنظمة الرادار المتطورة التي تمثل عين البنتاغون في المنطقة، فضلاً عن استهداف عشرات الطائرات ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة والسيطرة المحصنة.

 

ووفقًا للشبكة؛ فالأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل طال القصف بنية الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وحظائر الطائرات، ما جعل القواعد العسكرية تتحول من مراكز قوة إلى عبء لوجستي وأهداف سهلة المنال.

 

المفارقة التاريخية التي سجلتها هذه المواجهة -بحسب الشبكة- هي نجاح طائرة مقاتلة إيرانية من طراز "F-5" في اختراق الأجواء وتنفيذ مهامها رغم الكثافة الرادارية والمنظومات الدفاعية الأمريكية التي وقفت عاجزة أمام هذا الاختراق النوعي، ما يعكس فجوة عميقة في تقديرات الاستخبارات الأمريكية لقدرات الجانب الإيراني على المناورة والوصول إلى العمق.

 

ويفرض هذا الواقع الميداني الجديد على واشنطن اليوم كلفة اقتصادية وإستراتيجية باهظة، حيث تُشير التقديرات إلى أن فاتورة إصلاح ما دمرته الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ستصل إلى مليارات الدولارات، وهي ميزانيات تفوق قدرة إدارة ترامب على تبريرها داخليًّا في ظل الأزمات المتلاحقة، والتنافس المحموم بين الجمهوريين والديمقراطيين.

 

ويرى مراقبون أن الخيارات المستقبلية أكثر قتامة بالنسبة للقيادة المركزية الأمريكية؛ إذ إن الحديث لم يعد مقتصرًا على الترميم، وإنّما يمتد ليشمل إعادة بناء البنية التحتية بالكامل، أو الاضطرار لاستبدال المنشآت المتضررة، وصولاً إلى الخيار الأكثر إيلامًا لصانع القرار في واشنطن وهو الإخلاء والإغلاق النهائي لبعض هذه القواعد بعد أن فقدت قيمتها العملياتية وأصبحت مكشوفة تمامًا أمام الترسانة الإيرانية.

 

وفي نظرةٍ سريعة على خارطة الانتشار الأمريكي تُظهر حجم المأزق؛ فقاعدة "العديد" في قطر، التي تعد الركيزة الكبرى ومقرًا متقدمًا للقيادة المركزية، وقاعدة "الظفرة" في الإمارات التي تعتبر قلب العمليات الجوية والاستخباراتية، باتتا اليوم تحت رحمة المعادلة التي فرضتها إيران.

 

حتى قاعدة "الأمير سلطان" في السعودية، رغم تدججها ببطاريات "باتريوت" ومنظومات "ثاد" الدفاعية، لم تعد توفر المظلة الآمنة التي كانت تنشدها واشنطن، وأمّا في العراق؛ فإن قاعدة "عين الأسد" التي ذاقت مرارة الصواريخ الإيرانية في عام 2020م، ردًّا على اغتيال الشهيد المجاهد الحاج قاسم سليماني، تظل الشاهد الأبرز على قدرة إيران على تجاوز الخطوط الحمراء وتحويل القواعد الأمريكية إلى ركام في دقائقٍ معدودة.

 

ويمتد الانكسار الأمريكي ليصل إلى قاعدة "موفق السلطي" في الأردن ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وصولاً إلى المنشآت العسكرية في الكويت مثل "معسكر عريفجان" و"قاعدة علي السالم"، حيث باتت هذه القواعد التي كانت تُقدم كعناصر أساسية في إستراتيجية الردع وإدارة العمليات اليوم، في قلب معادلة تصعيد لا تملك فيها أمريكا اليد العليا.

 

وبالنتيجة؛ فإنّ الحقيقة التي لم يعد من الممكن إخفاؤها هي أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة والخليج بات يعيش مرحلة التآكل الصامت، وأن القوة الإيرانية قد نجحت بالفعل في تحويل هذه القواعد من أدوات للهيمنة إلى رهائن جغرافية، ما يجعل فكرة الانسحاب الكلي أو الإخلاء القسري مسألة وقتٍ تفرضها الحقائق الميدانية قبل التفاهمات السياسية.

المصدر المسيرة نت 


مواضيع ذات صلة :