نوح جلّاس: في خطوة تهز توازنات الطاقة العالمية وتكشف عمق التصدعات داخل المنظومة الخليجية، أعلنت الإمارات، الثلاثاء، انسحابها الرسمي من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+"، منهية بذلك أكثر من خمسة عقود من العضوية والتحالف النفطي مع السعودية، في قرار يتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى الصراعات السياسية والمالية وسباق النفوذ الإقليمي والدولي مع الرياض.
وقال وزير الطاقة الإماراتي إن انسحاب بلاده من تحالف “أوبك” ومنظمة "أوبك+" سيبدأ رسمياً اعتباراً من الأول من مايو 2026، لافتاً إلى وجود دوافع لا تخرج عن إطار الصراع مع السعودية، حيث أكد الوزير الإماراتي أن بلاده "لا تحتاج لاستشارة أي جهة في قراراتها"، رداً على سؤال وجه إليه بشأن معرفة الرياض أو التنسيق معها حول هذه الخطوة.
توقيت القرار: استهداف مباشر للسعودية:
وبناء على توقيت الإعلان في ظل الظروف التي يمر بها "هرمز" وما انتهجته أبوظبي من ترتيبات خلال فترة إغلاقه، واللغة التي أضفاها الوزير الإماراتي بشأن معرفة السعودية، فإن أبوظبي قررت إنهاء مرحلة الاصطفاف النفطي تحت المظلة السعودية، ليمثل هذا الإعلان نوعاً آخر من الصراع السعودي الإماراتي.
وتعد الإمارات ثالث منتج للنفط في أوبك بعد السعودية والعراق، وكانت قد خاضت مع المملكة صراعات كبيرة خلال السنوات الماضية بشأن حصتها في السوق الدولية التي لا تتجاوز بضعة آلاف من البراميل النفطية، لتسعى أبوظبي من خلال الخطوة الجديدة إلى رفع مستوى إنتاجها النفطي إلى نحو 5 ملايين برميل، وهو ما قد يشعل وتيرة الخلافات مع الرياض التي تنافسها على السوق الآسيوية، حيث يُعد ملف الحصص النفطية في السوق الدولية أحد ملفات الخلاف السعودية – الإماراتية الأساسية.
ويرى مراقبون أن دوافع القرار الإماراتي الرئيسية تنطلق من سعي أبوظبي إلى التحرر من نظام الحصص الذي كبّل توسعها الإنتاجي لسنوات، خصوصاً بعدما استثمرت مليارات الدولارات لرفع قدرتها الإنتاجية، في وقت كانت قيود أوبك تمنعها من استثمار كامل طاقتها.
وحينما فجّرت الإمارات أزمة داخل "أوبك+" عام 2021 برفضها تمديد اتفاق خفض الإنتاج دون تعديل خط أساس حصتها، ظهر لأول مرة أن أبوظبي لم تعد تقبل بدور التابع داخل المنظومة النفطية التي تديرها الرياض، وأنها تريد حصة لمراكمة قوتها المالية والإنتاجية.
الضربة الأكبر من هذا الانسحاب تتجه نحو السعودية، القائد الفعلي لأوبك، والتي بنت نفوذها لعقود على إدارة المنظمة وتوجيه قراراتها؛ فخروج ثالث أكبر منتج في التكتل يضعف قدرة الرياض على فرض الانضباط الداخلي، ويضرب صورة التماسك الخليجي التي طالما حاولت تسويقها.
كما أن الأسوأ بالنسبة للسعودية أن الخطوة قد تشجع دولاً أخرى على مراجعة علاقتها بـ"أوبك"، بما يضعف قدرة الرياض على إدارة السوق منفردة، وإذا فقدت المنظمة تماسكها، فإن جزءاً كبيراً من النفوذ السعودي العالمي سيتآكل.
وبهذه الخطوة تضرب الإمارات إحدى أهم أدوات النفوذ السعودي، لأن الرياض استخدمت "أوبك" لعقود منصة لإدارة سوق النفط وترسيخ موقعها كقائد للطاقة العالمية، بينما قررت أبوظبي الآن كسر هذه المعادلة والخروج من تحت العباءة السعودية، في حين يكشف هذا القرار أن الصراعات بين الرياض وأبوظبي اتسعت إلى الملفات الدولية.
حيثيات الصراع السعودي الإماراتي الشامل:
وفي هذا السياق، فإن الصراع بين القطبين أوسع من النفط؛ فالسعودية بقيادة مشاريع "رؤية 2030" تريد تحويل الرياض إلى مركز المال والأعمال الأول في المنطقة، بينما بنت الإمارات هذا الدور منذ سنوات، ما أدى لاندلاع تنافس حاد على جذب الشركات متعددة الجنسيات، خصوصاً بعدما اشترطت السعودية على الشركات نقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، وهي خطوة فُهمت خليجياً بأنها استهداف مباشر لمكانة دبي الاقتصادية.
وفي التجارة أيضاً، اتخذت الرياض إجراءات جمركية أضعفت نموذج الإمارات القائم على المناطق الحرة وإعادة التصدير، فيما امتد الخلاف إلى ملفات الموانئ والاستثمار والخدمات اللوجستية، حيث يسعى كل طرف لفرض نفسه بوابة رئيسية للتجارة العالمية في المنطقة.
إقليمياً، برز الصراع بين الطرفين بوضوح في اليمن، حيث شن الجانبان العدوان ضمن تحالف واحد، ثم دعمت كل دولة فصائل مرتزقة متناحرة، وانتهى الأمر بتضارب في الأهداف والنفوذ وصراعات مباشرة، خصوصاً في المناطق المحتلة جنوب اليمن، والموانئ والجزر الاستراتيجية.
كما ظهرت خلافات في ملفات السودان، والعلاقات مع تركيا، والانفتاح على إيران، وحتى في طريقة إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، فالإمارات تسعى لتقديم نفسها كدولة أكثر مرونة وقدرة على المناورة، فيما تتمسك السعودية بثقلها التقليدي باعتبارها الدولة الأكبر وصاحبة القرار النهائي في الخليج.
اقتصادياً، يمنح الخروج الإمارات حرية أوسع للمنافسة في الأسواق الآسيوية، حيث تحتدم المعركة على الحصص مع السعودية والعراق وروسيا، حيث يرى مراقبون أن أبوظبي، التي طورت موانئها وشركاتها النفطية وبنيتها التحتية، واستغلت أزمة مضيق هرمز في الاعتماد على ميناء الفجيرة، ترى أن الوقت حان لتحويل الطاقة الإنتاجية إلى نفوذ مالي مباشر، بدلاً من البقاء تحت سقف تقاسم الحصص، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد سباقاً أكثر شراسة على الزبائن، وتخفيضات سعرية غير معلنة، وتحركات منفردة خارج مظلة التنسيق التقليدي الذي حكم السوق لعقود.
وبناء على هذه المعطيات، فإن ما جرى هو إعلان بداية مرحلة جديدة في الخليج، تتراجع فيها التحالفات التقليدية، وتصعد فيها الحسابات الضيقة، وتتحول فيها الطاقة من أداة تنسيق إلى ساحة صراع نفوذ، فالمشهد يظهر أن الإمارات انسحبت من معادلة كانت تمنح السعودية اليد العليا، لتؤكد أنها لم تعد مستعدة لتقييد نموها الاقتصادي من أجل حسابات تقودها الرياض، ليكون ما بعد 1 مايو 2026 مختلفاً كثيراً عما قبله، لا داخل أوبك ولا داخل الخليج نفسه.
المصدر المسيرة نت










