منذ سقوط عدن بيد الاحتلال السعودي الإماراتي في العام 2015، والمدينة والمناطق التابعة لها تدور في حلقة مفرغة من المعاناة،

منذ سقوط عدن بيد الاحتلال السعودي الإماراتي في العام 2015، والمدينة والمناطق التابعة لها تدور في حلقة مفرغة من المعاناة،

علي الدرواني

 

منذ سقوط عدن بيد الاحتلال السعودي الإماراتي في العام 2015، والمدينة والمناطق التابعة لها تدور في حلقة مفرغة من المعاناة، وفي كل مرة يبلغ فيها الغضب الشعبي ذروته تخرج علينا مطابخ السياسة بـ مسرحية التغيير. يقال وزير، ويعين آخر، وتُحل حكومة، وتُشكل حكومة بديلة، والهدف دائماً واحد: ترحيل المسؤولية عن كاهل القوى الحقيقية المتحكمة بالأرض، وإلقاؤها في حِجر أدوات محلية لا تملك من أمرها شيئاً.

 

تدوير الفشل ولعبة الأقنعة

إن محاولة تحميل وزراء (مثل "سالم بن بريك" أو سلفه "بن مبارك" ومن قبلهما "بن دغر" و"معين" و"خالد بحاح") المسؤولية الكاملة عن انهيار الخدمات والعملة، هي محاولة بائسة لتزييف الوعي، فهؤلاء الوزراء -مهما سميت حكوماتهم بالكفاءات أو المحاصصة- يتحركون ضمن هامش مرسوم بدقة. الحقيقة التي يهرب منها كثيرون هي أن القرار السيادي اليمني في عدن مختطَف، والاحتلال الإماراتي السعودي هو من يدير اللعبة، قبل أن تتحمل الرياض المسؤولية الكاملة بعد طرد أبو ظبي.

من المسؤول؟

 

المسؤولية الحقيقية عن جراح عدن لا تقع على عاتق من يجلس في قصر "معاشيق" بلا ميزانية، بل تقع على عاتق السعودية والإمارات كقوى احتلال وسيطرة وأمر واقع. يقع عليهما العبء القانوني والأخلاقي.

تعطيل الموارد: من يمنع تصدير النفط والغاز بكامل طاقته؟ ومن يعطل الموانئ والمطارات ويحولها إلى قواعد أو مناطق نفوذ؟

كما أن "الوديعة المالية" ما هي إلا سلاح يستخدم الدعم المالي عادة كأداة ابتزاز سياسي وهيمنة على القرار وليس لإنقاذ المواطن، حيث تُصرف الودائع بالقطارة لضمان بقاء حكومة المرتزقة تحت الوصاية الكاملة.

ويأتي تعدد الولاءات ليخلق كيانات عسكرية وأمنية متوازنة في اللا-دولة، لضمان عدم استقرار البلاد، وتوجيه تلك التشكيلات المليشاوية في الاتجاهات التي تخدم العدوان وأجنداته الخبيثة المتربصة بالوطن شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.

شركاء في الجريمة وليسوا ضحايا

لكن، ورغم تحمل تحالف العدوان هذه الجريمة بحق الشعب اليمني، إلا أنه يجب أن نضع النقاط على الحروف في ما يخص أولئك الكومبارس. إن تبرئة وزراء الغفلة بحجة سلب القرار هي خطيئة كبرى، فهؤلاء الوزراء والمسؤولون ليسوا مجرد ضحايا، بل هم شركاء أصيلون في الجريمة، لأن قبولهم بالبقاء في مناصبهم تحت مظلة السيادة المنقوصة، ورضاهم بلعب دور الكومبارس أمام معاناة الناس، هو انبطاح سياسي وأخلاقي لا يغتفر.

فمن يقبل أن يكون وزيرا وهو يعلم أنه لا يملك مفتاح محطة كهرباء أو صلاحية صرف ميزانية دون إذن من اللجنة الخاصة أو مندوب "التحالف"، فهو يمنع الحقيقة عن الشعب ويمنح الاحتلال شرعية لا يستحقها.

وماذا يعنيهم أصلا من معاناة شعب هم يتكسبون منها بكل الأشكال، فبينما يئن المواطنون في عدن وبقية المناطق المحتلة تحت وطأة الحَر والغلاء، يغرق أولئك الحثالة من المسؤولين في امتيازاتهم وقصورهم وأموالهم في فنادق الرياض وعواصم الغزو والاحتلال، مفضلين الصمت والانبطاح على العزة والكرامة وكشف الواقع للشعب كما يستحق.

 

سيادة منقوصة وأدوات مطيعة

إن ما يحدث في عدن اليوم هو احتلال، بين ظاهرٍ تارةً وخفيٍّ أخرى، يرتدي ثوب التحالف لدعم ما يسمونها الشرعية. إنهم يقدمون الفتات من وقود الكهرباء كمنحة، بينما يحرمون المدينة من إيراداتها التي تكفي لبناء محطات توليد عالمية. يغيرون الوجوه الوزارية وفي كل منعطف، ليوهموا الناس أن الخلل في الإدارة، بينما الخلل الحقيقي في الاحتلال والارتهان للقوى الإقليمية المستندة إلى الاستكبار الأمريكي في المنطقة.

لقد تحولت الحكومات المتعاقبة في عدن المحتلة إلى مجرد شماعات غبراء، يراد للشعب في المناطق المحتلة أن يعلق عليها كل آلامه وجراحه، فكلما عجز الناس عن الحصول على شربة ماء بارد في صيف عدن الحارق، أو تآكلت رواتبهم أمام جنون العملة، سارعت القوى المهيمنة (السعودية والإمارات) إلى الشماعة وتبديل وزير جديد أو حكومة كفاءات مزعومة.

 

إن جراح عدن والجنوب المحتل لن تندمل بتغيير وزير بآخر كما يروج الغزاة والمحتلون، ولا بتمكين أحد أطراف الاحتلال وطرد آخر، ولا بترحيل الفشل من حقيبة إلى حقيبة، الجرح سيندمل فقط عندما يستعيد القرار اليمني سيادته على أرضه وموارده، وعندما يدرك الشارع أن عدوه ليس فقط الوزير الفاشل، بل هو المشغل الذي صمم هذا الفشل ليبقى هو الآمر والناهي، وذلك الوزير المنبطح الذي رضي أن يكون جسرا يمر فوقه ظلم الشعب واحتلال الوطن.


مواضيع ذات صلة :